ولما عللوا إظهار إيمانهم بالاستهزاء بالمؤمنين رد اللَّه سبحانه عليهم بقوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزئُُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (يمدهم: يزيدهم أو يمهلهم: مجاوزتهم الحد في الضلال والفساد، يعمهون: يترددون ويتحيرون من العمه وهو عمى القلب) فجزاؤهم - جزاء وفاقا - على استهزائهم بالمؤمنين أن ينتقم اللَّه منهم، ويزيدهم طغيانًا كبيرا يضلون فيه. وهذه سنة اللَّه في خلقه - أن يزيد الضال المعاند ضلالًا - {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} (راجع هذه السنة الإلهية في عدد جمادى الأولى 97 ص 6، وفي عدد شعبان 97 ص 4 من المجلة) .
وبين سبحانه جزاءهم بقوله: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} .
أولئك المنافقين الذين بينت الآيات السابقة أوصافهم بالطريق التي سلكوها، وبجهلهم وغرورهم وتلونهم (فاسم الإشارة يعود على المنافقين مع ملاحظة أوصافهم) - رغبوا عن الهدى واعتنقوا الضلال، مع أن الهدى كان من متناول عقولهم، كان فيهم بالفكرة، وتمكنوا منه بالأدلة الواضحة، لأن آياته واضحة، ودلائله هادية، ولكنهم لما في عقولهم من مرض - أعرضوا عن الهدى، وأقبلوا علىالضلال، فكأنهم باعوا الهدى، واشتروا به الضلال، فما ربحت تجارتهم في الدنيا ولا الآخرة،، بل خابوا وخسروا {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} إلى طرق التجارة الرابحة، فهم أرادوا بنفاقهم أغراضًا دنيوية، فباعوا الحق والهدى والضلال، فخسرت تجارتهم، لأن من باع الحق بالباطل، والهدى بالضلال فصفقته خاسرة، وما كانوا مهتدين في طرق تجارتهم ووسائل ربحهم، لأن التاجر المتصرف البصير بطرق الربح والخسارة لا يشتري الضلالة بالهدى.