فهرس الكتاب

الصفحة 2089 من 18318

ثم ضرب اللَّه سبحانه مثلين لهؤلاء المنافقين الخاسرين في مبادلتهم، المتحيرين المتردين في ضلالهم، ليصور خيبتهم وخسارتهم وحيرتهم بصورة محسوسة ملموسة تزيد كشف حالهم، وترسم سوء عاقبتهم، ولم يكتف ببيان صفاتهم وجزائهم، كما اكتفى بذلك في الحديث عن المتقين والكافرين، لأن المنافقين أشد خطرًا، وأعظم ضررًا على المؤمنين من الكافرين، فضرب لهم هذين المثلين، ليزيد حالهم وضوحًا وجلاء.

والمثل - كما قال صاحب الكشاف - يبرز خبيات المعانى، ويرفع الاستار عن الحقائق، يظهر المعنى الخفي في صورة المحس الظاهر، والمثل (بفتح الميم والثاء، وجمعه أمثال {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} ) في أصل اللغة بمعنى الشبيه والنظير، كالمثل (بكسر الميم وسكون الثاء) والمثيل، وقد يستعار للحال التي فيها غرابة كحال المنافق (راجع الحديث عن الأمثال في القرآن ص 6 من العدد 10 - 11 المجلد الثالث من المجلة للدكتور محمد جميل غازي) .

وفي المثل الأول يقول جل ثناؤه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} .

ومجمل هذا المثل: أن هؤلاء المنافقين شأنهم كشأن من أوقدوا نارًا في صحراء مظلمة، ليسيروا في نورها، فلما أضاءت ما حولهم، وأخذوا يسيرون إذا بنور النار يذهب فلم ينتفعوا به، ولم يسيروا في هداه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت