وتطبيق هذا المثل على حال المنافقين: أن الحياة صحراء مظلمة مشتبهة المسالك، والقرآن هو النور الذي يهدي الإنسان في هذه الصحراء، فالمنافقون - وقد آتاهم اللَّه ضربًا من الهدى باستعداد الفطرة، وبإظهارهم الإيمان، بنطقهم بالشهادتين بألسنتهم - أوقدوا النار، والتمسوا النور، واتخذوا الوسيلة للانتفاع والاهتداء، ولكنهم بإضمارهم الكفر، وتلونهم واعتلال قلوبهم، وباستبدال الضلال بالهدى - ذهب اللَّه بنورهم، فلم ينتفعوا به، ولم يهتدوا، فقد طغت سرائرهم على ظواهرهم، وذهبت ظلمة ما أكنوه في قلوبهم بنور ما قالوه بألسنتهم، لأن اللَّه ينظر إلى القلوب والسرائر، لا إلى الصور والظواهر، فالمنافقون خسروا وخابوا كما خسر وخاب الذين أوقدوا النار، وما انتفعوا بضوئها، وبقوا في حيرة وضلال كما بقي في الحيرة والضلال من انطفأت نارهم في صحراء مظلمة، ولهذا قال سبحانه: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} .
وفي الآية الكريمة: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} استعمل (الذي) للمفرد بمعنى (الذين) للجمع، فمراعاة للفظ من حيث إفراده قال: {اسْتَوْقَدَ نَارًا} و {أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ} ب
بدلًا من (استوقدوا نارًا) (وأضاءت ما حولهم) ومراعاة لمعنى الجمع قال سبحانه: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} ولم يقل: ذهب اللَّه بنوره وتركه في ظلمة لا يبصر، أصم أبكم أعمى فهو لا يرجع.
والتعبير بلفظ (أضاءت) أبلغ من التعبير بـ (أنارت) لأن الضوء مصدر النور، كما يفهم من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا} ومن المعروف أن نور القمر مستمد من ضياء الشمس.