ولم يقل سبحانه: (ذهب اللَّه بضوئهم) وإنما قال: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} ليفهم أنه لم يبق من الضوء شيئًا، ولذا قال: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} أي تركهم في ظلمات لا يرى فيها شيء، وإسناد إذهاب النور إلى اللَّه (ذهب اللَّه) للإيذان بأنه إنما ذهب بأمر سماوي كالمطر والهواء، أو للمبالغة في إذهابه.
ثم قال سبحانه: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي أن هؤلاء الذين ذهب اللَّه بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ولا يهتدون - قد سدت في وجوههم سبل الاهتداء، فهم لا يرجعون عن ضلالهم ولا يخرجون من الظلام، فهم صم لا يهتدون بصوت من يدعوهم، بكم لا يستطيعون أن ينادوا من يهديهم، عمي لا يبصرون مسلكًا ولا منفذًا، فحواس اهتدائهم قد عطلت، وهم لم يفقدوا حقيقة حواس السمع والنطق والبصر، ولكنهم لما سدوا مسامعهم عن الإصاغة إلى الحق، وأبوا أن تصدق به ألسنتهم، وأعرضوا عن النظر والتبصر في آياته ودلائله بعيونهم - جعلوا كأنهم فقدوا حواسهم، ومن له عقل ولا يفكر به فهو وفاقد العقل سيان، ومن له حواس ولكنه يعطلها ويصرفها عن إدراك الحق بها فهو وفاقد حواسه سيان.
وفي المثل الثاني للمنافقين أيضًا يقول عز وجل: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ - يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .