فهرس الكتاب

الصفحة 2126 من 18318

وموضع العظة والعبرة في غزوة الفتح، أن اللَّه عز وجل شاء أن يهيئ النصر العظيم للفئة المؤمنة بلا قتال، ولو تم هذا النصر بقتال لربما فهم المسلمون أن قوتهم البشرية هي التي جعلتهم يحرزون النصر، ثم إن اللَّه سبحانه وتعالى أراد أن يدرك المسلمون أن ثقتهم في اللَّه عز وجل - واطمئنانهم إليه هما اللذان جعلا الفئة المؤمنة التي كانت مضطهدة بالأمس، وأخرجت من ديارها بغير حق، تعود إلى أرض مكة .. إلى ديارهم فاتحين بلا قتال، وبلا مقاومة، بل في استسلام محوط بذلة العدو وهوانه، وجانب ثالث من جوانب العظة والعبرة: إقرار مبدأ السلام حتى مع أشد الناس عداوة للإسلام، فالإسلام أحرص ما يكون على دماء البشرية، ولم يكن من مبادئه اللجوء إلى القتال إلا في ظروف اضطرارية لا محالة معها من القتال ..

الذكرى الثالثة: موقعة عين جالوت .. فقد شن التتار على ديار المسلمين حربًا شعواء مدمرة لا تبقي ولا تذر، اجتاح التتار مقر الخلافة الإسلامية في بغداد، فأتوا عليها، لم يكن هؤلاء الهمج يعرفون أدنى مبادئ الحرب، ولا يقيمون وزنًا لدماء البشرية، ولا للتراث الفكري الإنساني الذي أحرقوا بعضه، وصنعوا من البعض الآخر جسورًا يعبرون عليها نهري دجلة والفرات، وما أن بلغت جحافل التتار بلاد الشام حتى أعلن حاكم مصر قطز الجهاد، ولم ترهبه رسالة قائد التتار التي تضمنت التهديد والوعيد له، ولم تقبل منه سوى الاستسلام بدون قيد أو شرط ..

لم يكن يدور بخلد إنسان أن جيش مصر الإسلامي بقيادة قطز يمكنه أن يثبت ساعات معدودة أمام الطوفان، ولكن العقيدة الراسخة والثقة في اللَّه عز وجل أخلفتا ظن المترقبين، واستطاع الجيش الإسلامي المؤمن القليل العدد والقدرة، أن يسحق جحافل التتار ويضطر فلولهم إلى الفرار، ويضع نهاية التتار الذين عاثوا في الأرض فسادًا، أبادوا مئات الألوف من البشر، ودمروا التراث الحضاري ..

وبعد:

فليست هذه الأحداث قصصًا تسرد للتسلية، أو تحكى لقتل الوقت، وإنما هي ذكريات للعظة والاعتبار، ولا سيما للذين حاربوا فنسوا وللذين يريدون أن يحاربوا أو سيحاربون العدو وقلوبهم خاوية من الإيمان .. لعل اللَّه يهدي الجميع، ويصلح بالهم .. !

محمد عبد اللَّه السمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت