فهرس الكتاب

الصفحة 2140 من 18318

وقال في تفسير قول سليمان: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي} إني لا أحب هذه الخيل لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أحبها لأمر اللَّه وطلب تقوية دينه). وقال في بيان منطق ذلك الحب: (إني أحببت حبي لهذه الخيل عن ذكر ربي بمعنى أن هذه المحبة الشديدة إنما حصلت عن ذكر اللَّه وأمره لا عن الشهوة والهوى) فهو عليه السلام لا يحب الخيل لمكانها من تأييد رسالته فحسب، بل يحب حبه لها - إني أحببت حب الخير - لأنه موصول بقيمه ومبادئه التي تملأ قلبه بذكر اللَّه ومعرفته والعبودية له سبحانه.

وفرق كبير بين أن يحب الإنسان الشيء لله وبين أن يحبه من دون الله، كما أن هناك فرقًا بين تقبل نعمة الله بالشكر واستعمالها فيما خلقت له وبين من يدعون أن المادة هي أصل الشر والسب الذي من أجله انحطت طبيعة الإنسان، ولكن الإنسان يستطيع - في زعمهم - عن طريق الخلاص (أى الزهد) أن يعود إلى الذات الإلهية والأصل الأول. فقال أبو حمزة البغدادي: (علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغنى، ويذل بعد العز، ويخفي بعد الشهرة، وعلامة الصوفي الكاذب أن يستغنى (معنى يستغنى أي يطلب الغنى، انظر ص 4(شرح الحكم لابن عجيبة) نقلًا عن كتاب هذه هي الصوفية للشيخ عبد الرحمن الوكيل رحمه اللَّه) بعد الفقر، ويعز بعد الذل، ويشتهر بعد الخفاء).

أما سليمان عليه السلام فقد قابل نعم ربه فرحًا شاكرًا، لأنه يعلم أنها وسيلة لبلوغ غايته الكبرى وهي عبادة اللَّه وتوحيده. {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] .. إنها فطرة الافتقار إلى اللَّه سبحانه وتعالى، فلم يحس أنه مالك وظل يرنو إلى ما عند اللَّه، وهو يرى أن منزلة العبودية له سبحانه هي قمة منازل الشرف، فضرع إلى اللَّه جاهدًا أن يبلغ تلك المنزلة.

وسنتحدث في المقال التالي - إن شاء اللَّه - عن حق اللَّه .. وحق الإنسان في المال ... وعن الافتقار الوجداني ... فهناك فرق بين طلب الفقر وبين شعور الافتقار الحسي والافتقار الروحي إليه سبحانه واللَّه نعم المعين.

بخيت محمد عبد الرحمن الحصري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت