فهرس الكتاب

الصفحة 2188 من 18318

ورد فرعون عليه بقوله متوجهًا به إلى قومه: {مَا أُرِيكُمْ إِلاَ مَا أَرَى} غير متعرض لألوهية اللَّه الكبرى وربوبيته العظمى على ما جاء بها الداعي إليها بشيء من المكابرة أو التكذيب، بينما يمضي الداعية المؤمن في دعوته مذكرًا قومه بعقاب اللَّه المعجل لمن كذبوا رسله قبلهم، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم غير ظالم لهم سبحانه وبرجوعهم إليه، وعرضهم عليه يوم لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، كما يذكرهم بمبعث يوسف فيهم، وترددهم في قبول دعوته لهم، بينما لجأ فرعون وقد ضاق صدره إلى التمويه على قومه بدعوى أنه الممثل الأوحد لله، وإلا فليدله موسى إن استطاع على إلهه الآخر الذي في السماء كما يزعم إن كان صادقًا فيما يدعي، بينما يمضي المؤمن في خطابه داعيًا قومه لمتباعته ليهديهم سبيل الرشاد، مبينًا لهم أن الدنيا دار متاع وأن الآخرة هي دار القرار، إلى أن يقول: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَىالنَّارِ - تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ - لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} ويختم حديثه إليهم بقوله: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} .

ومع وجود هذه المعاني فيهم، وتسليمهم جميعًا بها، نرى فرعون في موضع آخر يقول لهم: {أَنَا رَبُّكُمُ الأعلى} ، كما يقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} وإنما قصد أنه المربي المرئي والمباشر لهم بنعمه، والمالك الظاهر بل الفعلي لمصائرهم وأرزاقهم بجاهه ونفوذه وسلطانه، والمخضوع له من جميعهم على أنه ظل اللَّه على أرضهم غير منازع، ويؤيده عقده مقارنة بينه وبين موسى في موضع آخر حيث يقول: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ - فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} ومن ثم كانت عبادتهم إياه مع حبهم له ورجائهم فيه وخضوعهم له وخوفهم منه وقبولهم لقوانينه وتشريعاته عبادة بل عبودية كاملة بغير حق، وبالتالي إشراكًا صريحًا له مع اللَّه في دينه وشرعه وخالص حقه.

(للحديث بقية)

محمد محمد أبو علو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت