وقد اخترعت حكاية (الخضر) من قصة لقاء موسى عليه السلام مع العبد الصالح، المذكور في القرآن الكريم في سورة الكهف، واخترع دعاة المذهب الباطني - مع حكاية الخضر - حكاية العلم اللدني، وقالوا: إن العلم علمان: علم ظاهري يهتم به علماء الشريعة، وعلم باطني هو وقف على أولياء اللَّه، أي المتصوفة، ولذاك وجد من السذج وأدعياء العلم معًا، من يدافع عن زيغ الحلاج وابن عربي وابن الفارض وغيرهم.
ذكر القرآن الكريم القصة، ولم يذكر اسم (العبد الصالح) ولم يحدد زمن اللقاء، وقال عن المكان: إنه مجمع البحرين، لكن أي مجمع للبحرين؟ فعند طنجة بالمغرب مجمع للبحرين: البحر الأبيض والمحيط الأطلسي، وهناك مجمع البحرين: بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب، وهناك ثالثًا مجمع للبحرين بحر الروم وبحر القلزم.
والمفسرون - بلا سند - أجهدوا أنفسهم في تحديد موقع (مجمع البحرين) ولو كانت هناك فائدة من تعيين الاسم والزمان والمكان لما سكت القرآن عن هذا التعيين، والأجدر بنا أن نلتزم بما جاء في كتاب اللَّه، ولا نخوض فيما خاضه معظم المفسرين، حيث اختلفوا في تحديد شخصية العبد الصالح أهو نبي أم ولي، ولو التزموا بالنص القرآني لما أجهدوا عقولهم بلا مبرر ..
والقرآن الكريم اقتضت بلاغته ألا يشغل الناس بتحديد الأشخاص والأزمنة والأمكنة، في سائر قصصه، ليوجه أذهانهم - فحسب - إلى الحكمة في ذكر القصص، ليتعظوا ويعتبروا، وقد أورد البخاري عن ابن عباس قال: حدثنا أبي كعب أنه سمع رسول اللَّه - صلوت اللَّه عليه - يقول:
(( إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب اللَّه عليه إذ لم يرد العلم إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل - شبه الزنبيل - فحيثما فقدت الحوت فهو ثم - أي هناك ... ) )