كان فرض الحج مسك الختام لأركان الإسلام الخمسة، ولما فرضه اللَّه على المسلمين خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن اللَّه فرض عليكم الحج فحجوا. وكان الأقرع بن حابس التميمي الدارمي يتميز بجرأة أهل البداوة، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، ومات شهيدًا في موقعة اليرموك. فلما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله الأقرع هل الحج فرض علينا كل عام؟ فلم يجبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعله ينتهي عن سؤاله، فأعاد الأقرع سؤاله للمرة الثانية: أكل عام يا رسول اللَّه؟ فسكت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما كرر السؤال للمرة الثالثة أجابه النبي - صلى الله عليه وسلم - في غضب: لو قلت نعم لوجبت، أي لوجب عليكم الحج كل عام، ولو وجب الحج كل عام لعجزتم عن أدائه لما فيه من مشقة وأسفار، وحين ذاك تقعون في مخالفة كبيرة، ومشاقة لله ورسوله، وهذا إثم كبير.
ثم نصحهم - صلى الله عليه وسلم - بقوله: دعوني ما تركتكم ولا تكثروا من الأسئلة، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم.
ثم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ .... } [المائدة: 101] .
ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا بالأمة، وجه إليهم النصيحة بقوله: إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وانتهوا عنه، لأنه لا ينهى عن شيء إلا إذا كان فيه مضرة ومشقة، والدين يسر لا عسر.
والحج ركن من أركان الإسلام، به تطهر النفوس، وتزكو الأجساد، ومن أجله يترك المؤمنون أوطانهم ويفارقون ولدانهم لينالوا ما وعدوا به من عظيم الأجر والثواب، وتكفير الذنوب والآثام، على لسان خير البشر: (( من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) ).