فهرس الكتاب

الصفحة 2274 من 18318

فأين من روح الإنسان ومنهجه وطبيعته، ما يفعله اليهود ويدينون به من أن الحرام يتفاوت بتفاوت الجنس، ولذلك استحلوا لنفوسهم أمورًا كثيرة حرموها على الآخرين، لأنهم - بزعمهم - أبناء اللَّه وأحباؤه: (3: 75 {وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ) .

القاعدة التاسعة عشر: في الحلال ما يغني عن الحرام، فاللَّه سبحانه وتعالى إنما حرم الحراام لخبثه وضرره، وأحل الحلال لطيبه ونفعه، ومن رحمته - سبحانه - ونعمته أنه ما حرم شيئًا إلا عوض عنه ما هو أحسن وأنفع. وقد نقل القرضاوي (الحلال والحرام ص 30 نقلًا عن روضة المحبين لابن القيم ص 10، وإعلام الموقعين له أيضًا جـ 2 ص 111) عن ابن القيم قوله:

حرم عليهم الاستقسام بالأزلام، وعوضهم عنها دعاء الاستخارة، حرم عليهم الربا وعوضهم التجارة الرابحة.

حرم عليهم الحرير وأعاضهم بأنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن.

وحرم عليهم الزنا وأعاضهم عنه بالزواج الحلال.

ولكن ما يؤسف له أن الناس اليوم ألفوا المحرمات، وهجروا الحلال وأطلقوا على الحرام أسماء براقة جذابة: فأطلقوا على الربا: الفائدة، وأطلقوا على الخمر: المشروبات الروحية، وأطلقوا على العرى: الفن والمدنية. يقول رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم: كما في مسند أحمد: (( يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ) )ويقول ابن تيمية: وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعًا وموقوفًا من حديث ابن عباس: (( يأتي على الناس زمان يستحلون فيه خمسة أشياء يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه، والسحت بالهدية، والقتل بالرهينة، والزنا بالنكاح والربا بالبيع ) ).

القاعدة العشرون: (واستفت قلبك) وهي جزء من حديث رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، رواه أحمد والدارمي وحسنه النووي في الأربعين عن وابصة الجهني رضي اللَّه عنه قال: (أتيت رسولاللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقال:(( جئت تسأل عن البر ) )وفي رواية (( حئت تسأل عن البر والإثم ) )قلت نعم - وكان قد جاء لأجل ذلك - فقال: (( استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك ) )).

وليس هذا تفسير للبر والإثم بالمعنى الشرعي ولا اللغوي، وإنما هو بيان لما يطلبه السائل من الفرقان بين ما يشتبه من البر والإثم، فيشك الإنسان هل هو منها أم لا؟ فأحاله النبي - صلى الله عليه وسلم - على قلبه، وما يسكن إليه، ويطمئن به.

والقلب الذي أحال عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو القلب المؤمن الحي اليقظ العالم الفاهم الذي يتقي الشبهات، ولا ينقاد للشهوات.

(للحديث بقية)

د. محمد جميل غازي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت