إذن فليس أمثال علي - رضي اللَّه عنه - في حاجة إلى الغلو في شخصه، ولا أن يعمد بعض الغلاة المرقة، ومن كانوا امتدادًا لهم من المتصوفة الحمقى، إلى تأليف القصص الملفقة عنه، ولا إلى إجراء أشعار وكلمات وخطب على لسانه هو برئ منها تمامًا، ومع أن كتاب (نهج البلاغة) المنسوب إلى علي رضي اللَّه عنه يتضمن الكلمات والخطب القريب معظمها من الاعتدال، إلا أن المؤرخين المحققين يرفضون الاعتراف بنسبة هذا الكتاب إليه، ويرون أنه من تأليف المغرقين في التشيع، وعدوا منهم الشاعر المعروف: الشريف الرضي.
ولو أننا وقفنا - في الحديث عن خطب علي وكلماته التي جرت على لسانه في كثير من المواقف - عند حدود ما دونته كتب الآثار، ومدونات التاريخ الأولى التي أرخت للإسلام ورجاله، لهان الأمر، ولكن المتصوفة الغلاة، أصروا ولا يزال أتباعهم يصرون - على أن يحولوا شخصية علي رضي اللَّه عنه إلى شخصية أسطورية، وعلى أن يجروا على لسانه كلامًا - يعلم اللَّه أن عليًا كان أسمى من أن يجري مثل هذا الكلام على لسانه.
قالوا على لسانه مثلًا:
(أسألوني - قبل أن تفقدوني - عن علم لا يعلمه جبريل ولا ميكائيل، واللَّه إني أعلم بدروب السماء أكثر من أحدكم بدروب الأرض .... ويشير إلى صدره ويقول: إن هنا لعلومًا جمة لو وجدت لها وعاء) .
ألم يقرأ علي - حتى يقول هذا الكلام - قوله تعالى: {فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} ، وقوله تعالى مخاطبًا رسوله - صلى الله عليه وسلم: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ؟؟
ومن الهذيان الذي أجراه الغلاة على لسان علي شعرًا:
لقد حزت علم الأولين وإنني ... ضنين بعلم الآخرين كتوم
وكاشف أسرار الغيوب بأسرها ... وعندي حديث حادث وقديم
وإني لقيوم على كل قيم ... محيط بكل العالمين عليم