(ما إن توقف علي - رضي اللَّه عنه - عن الكلام، حتى صاح الصائح صيحته وخرميتا، وعندما واصل كلامه قائلًا: سلوني قبل تفقدوني فإن بين جنبي علومًا كالبحار الزواخر، نهض إليه الراسخ من العلماء والمهرة من الحكماء، وأخذ الكل من الأولياء، النزر من الأصفياء يقبلون موطئ قدميه، ويقسمون بالاسم الأعظم عليه أن يتم كلامه، ويكمل نظامه .. وكان أن واصل كلامه في هذه الجولة متنبئًا بما سيقع للإسلام والمسلمين في المستقبل القريب والبعيد على السواء) .
وبعد. .
فمما رواه البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن سعد بن أي وقاص، أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى تبوك واستخلف عليًا، فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: (( ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبي بعدي ) ).
فالرسول - عليه السلام - لم يقصد إلا تكريم علي، وترضية خاطره، لكن الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة، تعلقوا بهذا الحديث، في أن الخلافة كانت حقًا لعلي، وأنه أوصى له بها، مع أن هذا الحديث - كما جاء في شرح مسلم للإمام النووي - لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعلي، ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله، وليس فيه دلالة لاستخلافه بعد النبي، لأن النبي - عليه السلام - إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك، ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة موسى، بل توفي في حياة موسى، وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة).
أقول: إن الغلو كان جريمة أصابت الإسلام في الصميم، وما ورد في فضل علي في الأحاديث الصحيحة، لا يحتاج إلى هذيان الغلاة من الروافض والباطنية، وحماقة المتصوفة، الذي أفلسوا في أن يقدموا للمسلمين علمًا ينتفع به، فراحوا يؤلفون ألغازًا وشطحات، ليدخلوا بها السذج والبسطاء من المسلمين في متاهات لا أول ولا آخر لها، وقد اتسع الخرق على الراقع، وأصبح علماء المسلمين العاملين عاجزين عن تتبع مثل هذا الهذيان في كتب المتصوفة لحماية الفكر الإسلامي الأصيل من كل دخيل عليه ..
محمد عبد اللَّه السمان