كان قصد قريش أن يؤكدوا أن هذا القرآن مقطوع الصلة بالسماء وأنه من صنع الأرض، ولما لم يفلحوا في حربهم السافرة الصريحة بدءوا في شن حرب نفسية ضد القرآن .. قالوا لأعوانهم: {لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ} ... كانت الخطة - من واقع الآية - ذات شقين: الشق الأول التشويش على رسول اللَّه وصحابته إذ قرءوا القرآن .. الشق الثاني تزييف آيات اللَّه والتشكيك فيها .. ولهذا فسر مجاهد معنى {وَالْغَوْا فِيهِ} بالمكاء والتصدية والتخليط في المنطق حتى يصير لغوًا .. ويفسر الهروي معنى {وَالْغَوْا فِيهِ} يعني (عارضوه بكلام لا يفهم) .
دور اليهود في المؤامرة
وشارك اليهود في هذه الحرب النفسية، وذلك أنهم كانوا يقولون لبعضهم البعض: أظهروا الإيمان بالقرآن والتصديق به أول النهار، ثم اكفروا به آخره. وهي طريقة خبيثة في الدس والتدليس.
واليهود في ذلك يعتمدون على نفوذهم الديني والمالي بين العرب، فلقد كانوا أصحاب نبوة وكتاب، وتبعًا لذلك فإنهم يملكون قدرات عقلية وقيادية تجعل الناس تنظر إليهم نظر القدوة والأسوة .. لذلك خيل إليهم أن الاعتراف بالقرآن في أول النهار ثم سحب هذا الاعتراف آخر النهار كفيل بتشكيك الناس في هذا القرآن ... وأن الناس - تبعًا لموقفهم الجديد - ستسحب اعترافها بالقرآن .. ويبررون ذلك بدعوى أنهم نظروا في التوراة فلم يجدوا فيها ما يدل على صدق ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك يقول اللَّه تعالى: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72] .
وقد أورد القرطبي قولهم: (فإنكم إن فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا) .
الحرب الحديثة ضد القرآن