ولم تتوقف هذه الحرب، لكنها كانت أكثر ضراوة مع مواكب المستعمرين الذين أتوا لاستنزاف خيرات الشعوب الإسلامية والتشكيك في عقيدتها، والنيل من هذا القرآن الذي يجتمع عليه شمل المسلمين في الشدة والرخاء. وقد نبه إلى خطورة القرآن على المخطط الاستعماري (غلادستون) في مجلس العموم البريطاني حين وقف في أواخر القرن الماضي يصيح قائلًا: (إن العقبة الكؤود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد الإسلام شيئان لا بد من القضاء عليهما مهما كلفنا الأمر وأولهما الكتاب - يعني القرآن - وكان ممسكًا بمصحف في يده .. وسكت قليلًا .. ثم اتجه نحو الشرق مشيرًا بيده اليسرى قائلًا: وهذه الكعبة) .
من أساليب هذه الحرب
ولم تكن المواجهة بين أعداء القرآن صريحة، ذلك لأنهم يعرفون مدى تمسك المسلم بعقيدته، ولكنهم كانوا يتحينون الفرص للانقضاض باسم هذا البحث العلمي المحايد، أو أي شعار آخر يخفي حقيقة نواياهم.
وقد اراد (دنلوب) أن يضرب القرآن في مصر باسم الحفاظ على صحة الشعب المصري، فأصدر أمرًا بإغلاق (الكتاتيب) التي تقوم بتحفيظ القرآن في قرى مصر ومدنها بحجة أن هذه الكتاتيب مرتع للأمراض وأن مبانيها لا تتفق والأوضاع الصحية المشروعة، وقد تخيل (دنلوب) بذلك أنه قضى على القرآن في مصر، ولكن الشعب المصري وقف أمام هذا القرار وتحداه .. وأخيرًا اضطر (دنلوب) أن يسحب قراره تحت ضغط الشعور الديني الذي خاف أن يشتعل.
تلاميذ يحملون الراية
واستطاع المستعمرون أن يصنعوا رجالًا في مصر وفي غير مصر يروجون لفكرهم، وكان على رأس هؤلاء الدكتور طه حسين الذي ألف كتابًا (في الشعر الجاهلي) يشكك في القرآن ويكذب قصة الذبيح إسماعيل بدعوى أنها غير صحيحة تاريخيًا من وجهة نظر المنهج التاريخي.