ولما كانت بهذه المنزلة من القوة كانت آخر ما يفقد من الدين. فلما أضاعها أكثر المدعين الإسلام اسمًا ونسبًا أضاع الله عليهم عزهم ومكانتهم. وهانوا لى عدوهم. والزكاة فريضة اجتماعية فيها تقوية للضعيف بمساعدته وتمكين للمجتمع بالتعاون والتعاطف {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} والحج فريضة لها أثرها ومنافعها فهو يهدي إلى التعارف والتآلف بين مختلف الشعوب والقبائل ألا وإن أشد ما يظهر به القوة بيننا وتنظيم به حياتنا هو الوحدة والجماعة. وهما لباب الدعوة الإسلامية فالوحدة هي الأساس لأنها توحيد لله بعد إشراك واتخاذ وحده إلهًا لا معبود غيره ولا رب سواه له مقاليد السموات والأرض وتوحيد للأمة بعد شتات وتوحيد للكلمة والجماعة بعد تفرق بأن يكون كتابهم هو العام والحاكم بينهم وأن يكون نبيهم صلى الله عليه وسلم هو الإمام القدوة وحده {لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة} أما الجماعة فهي البناء والجهود والتشييد لأنها جملة الشعوب وجمعة القلوب التي ألف بينها وأصلح من شأنها وأعز من كيانها ورفع من مكانتها هذا الدين العظيم الذي أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قامت سياسة الإسلام على استدامة القوة بين المسلمين بالمحافظة على الوحدة والحرص على الجماعة حتى أوجب الله قتال الطائفة التي تبغي على جماعة المسلمين: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ والحرص على الجماعة يتجلى في هذه الصلاة إنما يعظم أمرها ويضاعف أجرها إذا أديت في جماعة وشرع الله هذه الجماعة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات ثم تكثر، وتزداد في صلاة الجمعة كل أسبوع ثم تعظم في صلاة العيدين في كل عام ثم تضخم في أداء الحج مرة على الأقل في كل العمر، على هذا كان إسلام رسولنا صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون.
وعلى هذه القوة والتماسك كانت بطولة خالد وسعد وأبو عبيدة رضي اللَّه عنهم، كانت هذه الأمة العظيمة تعرف الحق والهداية والصراط المستقيم في كتابها وتعرف العزة والجهاد والسيف لأعدائها: كانوا يجمعون بين قيادة المعركة وإمامة الصلاة. فلما شتت الوحدة وتفرقت الجماعة والكلمة وأصبح الكتاب تمائم يعلقها مرضاهم على اصدور وتجارة للقراء ورياء تبدلت الحال بعد عزة واستخلاف إلى تخاذل واستضعاف وأصبح مسلمو اليوم على أخلاف العبيد يطأطأ بعضهم ولا يندى لهم جبين وتنقص عزتهم فلا يحمي لهم أنف تنزل بهم المحنة فيتخاذلون تخاذل القطيع عاث فيه الذئب تلم بهم الشدة فيتواكلون تواكل الأخوة دب فيهم الحسد، كأن الإسلام الذي كان عامل القوة والاستخلاف أصبح اليوم علة ضعف واختلاف.