والمعنى: كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت: من تفاحها، أو رمانها، أو عنبها رزقا قالوا هذا الرزق هو مثل الرزق الذي رزقناه من قبل، وإنما قالوا {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} ولم يقولوا: هذا مثله، مبالغة في المشابهة والمماثلة حتى كأنه هو {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا} : أي أنعم اللَّه عليهم به رزقا متشابها متماثلا: في جمال منظره، وطيب رائحته، وحسن غذائه، ولذة طعمه، فهم لا يجدون في ثمرة مرارة، وفي أخرى حلاوة، ولا يجدون ثمرة ناضجة، وأخرى فجة، بل يرزقون فيها رزقا متشابها متماثلا في حسنه واشتهائه والمتعة به.
الصفة الثالثة: أنها {لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي للرجال الذين آمنوا وعملوا الصالحات في تلك الجنات زوجات مطهرة، أي منقاة ومصفاة ومبرأة مما يشين زوجات الدنيا من نقائص بدنية أو خلقية، مطهرة مما يستقذر من نساء الدنيا: كالحيض ودنس الطبع، وسوء الخلق والأقذار، وسائر الصفات الخلقية والخلقية التي تنغص الحياة الزوجية في الدنيا.
الصفة الرابعة: أنها: {َهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فالمؤمنون الذين يعملون الصالحات لا ينغص عليهم نعيمهم في الجنات - الخوف من زواله بانقضاء أمده، لأنه نعيم باق دائم، وهم في الجنة خالدون ـ أي باقون دائمون في نعيمهم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن آيات الجنة ونعيمها تفهم على حقيقتها، خلافا لمن يظن أن الجنة وما وصفها اللَّه به، وما ذكره اللَّه من سررها وحورها، وولدانها وفاكهتها، ولحمها وخمرها كناية عن أن دار النعيم فيها متعة، وصورت هذه المتعة لأهل الدنيا بما يتصورون من تلك المتع: من طعام وشراب ولباس وفرش وأرائك.
والأصل أن تفهم الألفاظ على حقيقتها، ولا تصرف عن معانيها الحقيقية إلا إذا دل دليل على صرفها عنها، ولم يقم دليل على استحالة فهم آيات الجنة ونعيمها على حقيقتها، فالنعيم الذي وصفه اللَّه - هو كما وصفه، وهو سبحانه القادر على كل شيء، وهو الذي بدأ الخلق وأسبغ على خلقه النعم، وهو الذي يعيده، ويمن على خلقه بما يشاء من الفضل والكرم.
عنتر حشاد