ولم يكن إيذاء المشركين قاصرًا على الرسول وحده، بل لقد تعرض أكثر المؤمنين في مكة لألوان من الفتن والمحن صبها عليهم المشركون صبا: فالكلمات البذيئة النابية، والألفاظ الوقحة الجافية، والصفع واللطم والركل، والتقييد في السلاسل، والحبس في الظلمات، وتعرية أجساد المؤمنين وطرحها على رمال الصحراء المتوقدة، ووضع الأحجار القاتلة على الصدور، وفقء الأعين، والكى بالحديد المحمى، والرجم بالحجارة، ومنع الطعام، وحبس الشراب عن السجناء من المجاهدين في سبيل اللَّه، ووضعهم للتعذيب في مستنقعات المياه، والجلد بالسياط، والتفريق بين الأزواج .... كل ذلك وغيره مما يندى له جبين الإنسانية، ويظل عاره يشين فاعليه إلى يوم القيامة، وأن نتن ريحه ليزكم الأنوف .. لكنهم أقدموا عليه مفاخرين: نافسوا الذئاب فكانوا أشرس منها، وتباروا مع السباع في التوحش والضراوة فكانت السباع أكرم وأطهر، وأعف وأنبل، لأنها لا تترصد للمؤمنين ولا تختار فرائسها إلا منهم كما فعل مع المشركين.
كان العربي بقيمه الموروثة يرى الاستئساد على المرأة نذالة وحطة، ويرى صيانتها، والدفاع عنها شرفا ومكرمة، لكن الجاهلية المكية حشدت أبطالها .. لحرب النساء والصبيان من الذين آمنوا، واحتشدت ذات يوم لمعركة مع (سمية) أم عمار وزوجة ياسر، وخرجت المرأة المؤمنة من المعركة ظافرة منتصرة على كل بطش قريش وإجرامها، وان ظفرت منها قريش بجسد من التراب وإلى التراب قد عاد .. نقول إن (سمية) قد انتصرت على قريش حين أرادت قريش أن تسلب هذه المرأة إيمانها، فما استطاعت - بكل قوة كبرائها وصلف زعمائها - أن تنال من يقين هذه المؤمنة المعتصمة باللَّه، وفي موكب غيبى باهر استقبلت الملائكة الكرام بالتجلية والترحاب روح سمية لتزفها إلى مكانها الموعود: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ - فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 54، 55] .
واستمرت الجاهلية القرشية في عتوها وصلفها وأثيم غرورها، حتى تواصلت بصحيفة ظالمة علقتها على جدران الكعبة، وبها فرضت الحصار والمقاطعة والمجاعة على المؤمنين في شعب (حى) بنى هاشم واستمرت هذه المقاطعة الآثمة ثلاثة أعوام حسوما، حتى أكلت الأرضة صحيفة الظلم وهي معلقة.
كل هذا وغيره كثير كان يحتم على الدعوة أن يكون لها (محضن) في غير جو مكة الخانق القاتل.
(يتبع)
عبد الفتاح إبراهيم سلامة