واللَّه سبحانه وتعالى يشير إلينا بذلك في قوله: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} وفي غير ذلك من الآيات، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا، كتاب اللَّه وسنتى، ألا هل بلغت ) ).
وعلى هذا درج الصحابة رضوان اللَّه عليهم. ولكن الإسلام حين انتشر في أقطار كان فيها ذلك التصوف، وتلك الفلسفات، ودخله في هذه الأقطار الكثيرون من أهلها، وكان فيهم من له اتصال سابق بهذا التصوف، وكان فيهم أيضا ضعف في اللسان العربى لم يخول لهم أن يتفهموا القرآن والحديث الشريف كما يجب، وكان في بعضهم أيضا حنق على الإسلام والعرب والمسلمين، وغلبت عليهم النعرة الجاهلية، والاعتزاز بالأصل الفارسى أو غيره، فلم يستطيعوا أن يتخلصوا جملة مما كانوا فيه من هذا التصوف، ومزجوا بينه وبين الدين، وربما كان البعض منهم يقصد بذلك الإساءة إلى الإسلام في مظهر المسلمين وتعبدهم وعقيدتهم وإظهاره بالشكل الذي يعرضه للطعن والتجريح، وإيجاده في نفوس الناس بالوضع الذي لا يجعله يختلط بقلوبهم، أو يقر في نفوسهم، فأضافوا إليه من أصول السحر، ونظريات الكهانة والشعوذة والغيبيات التي تسحر القلوب والنفوس التي لم تخالطها بشاشة الإيمان، مما جعل الناس يلتفتون إليهم، ويلتفتون حول المتصوف أو المتمسلم بهذا المظهر، ويتحدثون عنه، ويغلون في الحديث عما وقع له من أخبار بمغيبات، أو مكاشفات، أو كرامات ... إلخ.
وبهذا يتأصل التصوف ويروج، ويكمن في نفوس الناس، وخاصة إذا كان هناك انشغال من القائمين على الحكم الإسلامي وعلى الدين الإسلامي بالسياسة، أو القلاقل السياسية.
وهذا هو تاريخ التصوف في الإسلام، وإنى لأرى أنه كان ظرفا سياسيا، ووجهة شعوبية، كان لها ما يبررها في نفوس القائمين به، من وجهة نظرهم البعيدة عن الإسلام.