ابتدأ الشيخ دعوته في هذا الجو وهذه الظروف بدأها في قومه في بلدة (حريملا) حيث كان أبوه قاضيا فيها، فوضح لهم أنه لا يدعى إلا اللَّه، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، وأن عقيدتهم في القبور والأحجار والأشجار من الاستغاثة بها وصرف النذور لها واعتقاد النفع والضر فيها ضلال وزور، وقد عزز كلامه بآيات القرآن الكريم وأقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وسيرة أصحابه والسلف الصالح، فوقع بينه وبين الناس نزاع وجدال، ولا سيما مع بعض المنتسبين للعلم في وقته، ولكن ذلك لم يثن عزم الشيخ ولم يفل من قوته فاستمر يجاهد بلسانه وقلمه، وما زال معهم في أخذ ورد حتى طرد من حريملا. وذهب إلى العيينة واستطاع أن يقنع أميرها بصحة دعوته فتبعه على ذلك غير أنه اضطر إلى إبعاده من قريته لأنه جاءه تهديد من حاكم الإحساء بقطع خراجه، فكبر ذلك الأمير فأخرج الشيخ من بلدته فاتجه إلى بلدة الدرعية حيث استقبله أميرها محمد بن سعود وتعاهدوا على القيام بالدعوة إلى اللَّه ونصرة الدين والجهاد في سبيل اللَّه والتمسك بالكتاب والسنة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة شعائر الدين، وبعد أن استقر الأمر في الدرعية أخذ المستجيبون للدعوة يتوافدون عليه، وصارت تأتى الوفود من كل حدب وصوب حينما علموا أن الشيخ في دار منعة. استمر الشيخ في دعوته مبينًا معنى لا إله إلا اللَّه فشرح لهم معنى الألوهية ووضح أصول الدين، وأخذ في إرسال الرسائل إلى أمراء البلاد النجدية وقضاتها، سالكًا في ذلك سبيل اللين والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هي أحسن، والأمير محمد بن سعود يؤازره حسب مقدرته، ولكن خصوم الدعوة يعملون على تنفير القلوب عن الدعوة بكل الوسائل، والاعتداء على الداخلين في الدعوة، فلم يكن أمام الشيخ والأمير محمد بن سعود إلا الرد على هذه الاعتداءات، فدارت بينهم حروب استمرت سنتين كان النصر في أغلبها حليف الشيخ.
وقد ألف الشيخ مؤلفات كثيرة كلها تبين حقيقة دعوته وصحة مأخذه وصفاء مشربه. وعلى كل من يريد أن يطلع على حقيقة هذه الدعوة فليطلع على هذه المؤلفات وأغلبها في مسائل التوحيد وأصول الدين والرد على المخالفين، ومنها كتاب التوحيد، كشف الشبهات، الأصول الثلاثة، مختصر السيرة النبوية، أصول الإيمان، مسائل الجاهلية، مفيد المستفيد، وغيرها.
(يتبع)
عبد اللَّه بن محمد بن حميد