كذلك أوضح للدكتور أن أعداء الإسلام الذين لم يألوا جهدًا في النيل من الإسلام، وألفوا الكتب وحشوها بالإسرائيليات والأحاديث الموضوعة والضعيفة واللينة، واستعانوا بالمضللين من أبناء المسلمين لم يجرءوا أن يقولوا إن الإسلام له رسالتان ذلك لعدم إمكانية الإثبات. ولم نجد هذا الادعاء إلا في كتاب الرسالة الثانية من الإسلام لرئيس الحزب الجمهورى السودانى في الأربعينيات والذى هو بصدد تهيئة نفسه لبث ذلك الادعاء- وتلخيصًا للرد- أقول للدكتور إن القرآن الذى تسمونه الشريعة السلفية وتسمونه قرآن الأصول بدأ بتصفية العقيدة بين قوم أهل أوثان وقوم أهل كتب محرفة دخلت في تشريعاتها آراء الرجال ففسروها بما يناسب أهواءهم وأهواء حكامهم، فضلوا وأضلوا كثيرا. وقد ركز الإسلام على تصفية عقيدة الألوهية والصفات وكذلك عقيدة العبادة قرابة العشر سنين. وجد منها المشركون حججا دامغة لا تعارض، ففي القرآن بطلان عقيدتهم، فمنهم من اقتنع ورجع إلى الحق ومنهم من أخذته العزة بالإثم ولزم عناده، فهداه حقده إلى تعذيب مخالفيه وتشريدهم، وأخيرا جرد عليهم السيف، فجرد عليه الإسلام السيف وكانت العاقبة للمتقين.
ولما صفت العقيدة ووقرت في الصدور جاء تشريع العبادات والمعاملات، فألزم العبادة والمعاملة شرطين: الأول أن يكون الإخلاص فيها لله تعالى بالإلهية، والثانى أن تكون العبادة مشروعة وأن تكون مطابقة لبيان الرسول وفعله. فإن قامت على شرط واحد كانت باطلة، كأن يكون الإخلاص فيها للَّه، ولكن لم تكن مشروعة كتوسل المشركين بالمخلوقين إلى اللَّه تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} ، فهذه العبادة هي نتيجة ابتداع فكري، كذلك أن تكون مشروعة وفيها شرك. قال رجل لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم: إنى أعمل العمل لله وللناس. فقال الرسول: (( إن اللَّه لا يقبل عملًا شورك فيه ) ).