فهرس الكتاب

الصفحة 2545 من 18318

وفي بيان الإشباع العلمى والفكرى للعلماء، والذى تشمل عليه هذه الأدلة القرآنية يقول: (فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات أى التى أوجدها اللَّه سبحانه مثالهم في النظر إلى المصنوعات مصنوعات البشر التى ليس عندهم العلم بصنعتها، فإنهم إنما يعرفون من أمرها أنها مصنوعة فقط وأن لها صانعًا موجودًا. ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التى عندهم علم ببعض صناعتها، وبوجه الحكمة فيها. ولا شك أن من حاله من العلم بالمصنوعات هذه الحال فهو أعلم بالصانع من جهة ما هو صانع، من الذى لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط) ص 155.

وفي هذا من جانب ابن رشد إيضاح لما يشتمل عليه القرآن الكريم أو تشتمل عليه الأدلة القرآنية من صلاحية للإقناع، لكل إنسان على مدى الدهر، ومدى تطور العلم. للقدامى البدويين والمحدثين من العلماء والمتعلمين.

ولذلك كان هذا الكتاب (مناهج الأدلة في عقائد الملة) قاطعًا الطريق على علم الكلام وعلى المتكلمين أن يستمروا في جدلهم، وأقيستهم المنطقية التى أخذوها عن اليونان، وعن مناهج غير منهج القرآن، والتى بعدت في إقناعها عن الفطرة الإنسانية والتجربة، والمشاهدة، سبحانه، وتتحدث عن صفاته التى وصف بها نفسه في القرآن بما تتحدث به عن الإنسان، وعلمه كعلمه، وكلامه ككلامه، فوقعوا في مآخذ كثيرة، ولم يستطيعوا أن يردوا في هذه المآخذ هجمات الخصوم، ولا اعتراضات الأصدقاء.

يقول في ذلك ابن رشد معلقًا على حديث الأشاعرة عن إرادة اللَّه سبحانه: (والظاهر من الشرع أنه لم يتعمق هذا التعمق مع الجمهور، ولذلك لم يصرح لا بإرادة قديمة ولا حادثة، بل صرح بما الأظهر منه أن الإرادة موجدة موجودات حادثة وذلك في قوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] وإنما كان ذلك كذلك لأن الجمهور لا يفهمون موجودات حادثة عن إرادة قديمة، بل إن الحق أن الشرع لم يصرح في الإرادة لا بحدوث ولا بقدم لكون هذا من المتشابهات في حق الأكثر. وليس بأيدى المتكلمين برهان قطعى على استحالة قيام إرادة حادثة في موجود قديم) ص 149، ثم ينتهى مع هذه الفرقة من علماء الكلام بقوله: (فقد تبين لك من هذا أن الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى معرفة اللَّه سبحانه ليست طرقا نظرية يقينية، ولا طرقًا شرعية يقينية، وذلك ظاهر لمن تأمل أجناس الأدلة المنبهة في الكتاب العزيز، على المعنى أعنى بمعرفة وجود الصانع) .

د. إبراهيم إبراهيم هلال

(يتبع)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت