فهرس الكتاب

الصفحة 2548 من 18318

8 -... عرف المسلمون في المدينة حرية العقيدة والعبادة لأنفسهم، ولغيرهم، كما كان من معاملة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لليهود، معاملة سمحة، لكنهم عبروا بتصرفاتهم كلها مع المسلمين عن لؤم الطباع وخسة النفوس.

هذه بعض نتائج الهجرة، سقناها في إيجاز عجول، وهى آثار ونتائج لم تكن ذات أثر في تغيير تاريخ الجزيرة العربية أو منطقة الشرق الأوسط وحدها. بل كانت لها الآثار التى غيرت وجه التاريخ الإنسانى كله، حين قامت للمسلمين دولة واحدة حكمت جُلَّ المعمورة، وبسطت سلطان الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.

التاريخ بالهجرة

امتن اللَّه على عمر بن الخطاب بنفسية الرائد الوثاب، وعقلية المقدام الطلعة، ورأى الأمم حول المسلمين .. كل أمة لها تاريخ تؤرخ به أعوامها، وتاريخ هذه الأمة يرتبط بحادثة لصيقة بهذه الأمة أو يتعلق بمعنى خاص بهذا الشعب، وعمر يدرك أن الأمة الإسلامية لا تقتات من موائد الآخرين، ولا تسير على دروب غيرها، فلا بد لها من تاريخ تنظم به أوقات أعمالها، ولا بد أن يكون هذا التاريخ معبرًا عن أصالة الأمة الإسلامية، صادرًا من منابعها العذبة.

ومرت أحداث بعمر جعلته يعجل بما يدور في خلده، وما طمحت إليه خواطره.

فهذا دائن يشكو إليه مماطلة غريمة في دين له عليه، ودفع الدائن إلى عمر بالوثيقة المثبتة لهذا الدين، وفيها أن أداءه يحين إلى فلان في شعبان، فقال عمر أى شعبان؟ الذى مضى، أم الذى نحن فيه؟ أم شعبان الذى هو آت؟

وروى أبو موسى الأشعرى شكاية عمال عمر إليه حول هذا الأمر فقال: (كتب إلى عمر عماله أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ ) إزاء هذه المشكلة جمع عمر أصحاب الرأى من المسلمين وعرض عليهم الأمر، (فقال بعضهم أرخ بالمبعث وقال بعضهم أرخ بالهجرة) فقال عمر رضي اللَّه عنه: (الهجرة فرقت بين الحق والباطل) فأرخوا بها.

وفي ذلك يقول السهيلى (من كبار شراح السيرة النبوية) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت