ومع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - موصوف بالحلم الذى لا تزعزعه زوابع السفهاء، فإنه انتصر لله، وأوضح أنه ليس من شيمة المؤمن الحازم الذى يغضب لله، ويذب عن دينه: أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد مرة بعد أخرى، فاستعمل الغضب في موضعه، لأن مقام الغضب لله يأبى الحلم مع اللئام. فكان صلوات اللَّه وسلامه عليه حليمًا مع الكرام الذين استحقوا العفو كرما وإحسانًا، أما اللئام والأعداء الألداء فليس لهم إلا الغلظة والانتقام.
فالحلم ليس بمحمود مطلقًا، كما أن الغضب ليس بمذموم مطلقًا ولكل مقام مقال.
هذا إلى أن الإيمان لا يتفق والغفلة، بل يقتضى الحذر والحيطة، لأنه يصفى النفوس، وينقيها من أدران الخبث والمكر وجميع الذميم من الصفات، كما يرسل عليها من محاسن الصفات ما يتمتع به المؤمن من فراسة المؤمنين التى تهديه سواء السبيل.
ومن هنا كان إخبار الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم: أن المؤمن الحقيقى لا ينخدع مرتين من خادع واحد. اللهم إلا إذا انغمس في معاصيه فنقص إيمانه واستغفله اللئام وأصبح يلدغ من الجحر عشرات المرات ولا عبرة ولا موعظة تجديه نفعًا، لما اتصف من نقص من الإيمان وإن كان على العبادة مقيمًا.
إن هذا الحديث الشريف مستمد من قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ} ، وقوله تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} .
كن أيها المؤمن مؤمنًا حقا، وخذ من التجارب ذكرى، ومن الماضى عظمة وعبرة. واللَّه ولى التوفيق.
محمد على عبد الرحيم