ونحن نعلم أن الناس ينقسمون إلى ثلاث فئات: فئة عرفت الحق وعملت به وهم المهتدون، وفئة عرفت الحق ولم تعمل به وهم المغضوب عليهم، وفئة لم تعرف الحق ولا تريد معرفته وهم الضالون، هذه هي الفئات التى ينقسم إليها الناس ووردت الإشارة إليها في سورة الفاتحة، ولكن المتصوفة لا يؤمنون بما جاء في كتاب اللَّه تعالى، وإنما يؤمنون بأن الناس جميعًا على صراط مستقيم بما فيهم الضالون والمغضوب عليهم، واقرأ ما قاله ابن عربى في صفحة 106: (كل ماشى فعلى صراط الرب المستقيم، فهم غير المغضوب عليهم من هذا الوجه ولا ضالون، فكما كان الضلال عرضًا فكذلك الغضب الإلهى عارض، والمآل إلى الرحمة التى وسعت كل شيء) . وقال الدكتور أبو العلا عفيفى في شرحه صفحة 120: (لما كان الحق سبحانه هو واجب الوجود للموجودات جميعًا، وسعت رحمته كل شيء، قال تعالى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} لم يقل كل إنسان فقط ولا كل إنسان خير أو مطيع، فالشرور والمعاصى إذن من رحمة اللَّه لأنها من الموجودات التى وسعتها الرحمة) .
والصوفية لا تؤمن بأن اللَّه تعالى هو عين جميع الموجودات فحسب، بل تذهب إلى أن حقيقة اللَّه تعالى هى أعضاء العبد وغرائزه، بل تقول إن الصورة الظاهرة المحسوسة في العبد هى الذات الإلهية، أما الصورة الخلفية فهى صورة وهمية خيالية، قال ابن عربى في صفحة 108: (لا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد وقواه، وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى، فهو حق مشهود في خلق متوهم، فالخلق معقول والحق محسوس مشهود عن المؤمنين وأهل الكشف والوجود) .
قال الدكتور أبو العلا عفيفى عند شرحه لقول ابن عربى (فهو حق مشهود في خلق متوهم) في صفحة 124: (تحتمل هذه العبارة أحد المعنيين التاليين: الأول: أن العبد أو أى ممكن من الممكنات هو الحق المرئى في الصور، وأن الصور لا وجود لها في ذاتها، فكل من أثبت لها وجودًا مستقلا عن وجود الحق فقد وهم. الثانى أن العبد أو أى ممكن من الممكنات هو الحق الذى ينكشف للصوفى في شهوده، أما الصور التى يدركها الحس فهى صور متوهمة لا وجود لها في ذاتها) .
(يتبع) عبد الحميد خضرى السيد