وملا كان القرآن - حصن الإسلام الحصين - لا يستطيعون أن يضيفوا إليه حرفًا واحدًا، أو ينقصوا منه حرفًا واحدًا، لأنه محفوظ في الصدور، اتجهت سهامهم إلى حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يضعون فيه ويحرفون معانيه، فانبرى لهم رجال عاهدوا الله، وصدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه أن ينقوا حديث رسول الله من كل دخيل، وينفوا عنه كل عليل، وقد بلغوا الغاية في ذلك، فوضعوا القواعد: واشترطوا الشروط لقبول الحديث، وكان رأس هؤلاء الإمامين الجليلين البخاري ومسلم، رحمهما الله، ورضي الله عنهما وجزاهما عن الإسلام وعن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم خير الجزاء، وقد تقلبت الأمة الإسلامية كتابيها أحسن القبول وسمتهما الصحيحين، وما حاول أحد في حقبة من حقب التاريخ الإسلامي إلى يوم الناس هذا أن ينال من حديث من أحاديثها إلا وقد وجد من يرد عليه حاضرًا يدحض قوله ويفند رأيه، وقد قرأنا لكبار أئمة السلف الصالح كابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب والشوكاني وغيرهم من الجهابذة، فما وجدنا لأحدهم كلمة واحدة يرد بها حديثًا في الصحيحين، ومنزلة هؤلاء من السنة المحمدية لا يخفى على أحد، فهم من أعلم الناس بالحديث رواية ودراية، وهم اليوم الأئمة المشهود لهم في عالم المسلمين، ومما يؤسف له أن البعض يحاول أن يقتحم اليوم هذا الحصن المنيع من غير سلاح ولا عتاد ولا عدة ويقول أن هذا الحديث لا يتفق مع العقل أو إنه يتعارض مع القرآن، وهذا غير سبيل المؤمنين فإن الله سبحانه وتعالى لم يتعبدنا بما نعقل؛ ولكنه سبحانه تعبدنا بالطاعة والانقياد والتأسي برسوله r واتباعه، وإلا فأي عبادة أو نسك أو أية شعيرة من شعائر الإسلام يمكنك أن تضعها على مشرحة الفحص العقلي ثم تخرج العقول كلها متفقة عليها.