ومن العجب أيضًا أن يقتحم هذا الميدان من لا يعلم أن لسان الحال أفصح من لسان المقال، فيورد حديث الجمل الذي اشتكى إليه صلى الله عليه وسلم أن صاحبه يرهقه بالعمل ولا يطعمه، وحديث البقرة التي التفتت إلى راكبها وقالت له: إنني لم أُخلق لهذا. ألا يتحدث لسان حال الجمل في كلاله وهزاله أن صاحبه يرهقه ولا يطعمه، ألا يتحدث لسان حال البقرة أنها لا تركب وهذا هو الواقع الملموس في كل زمان ومكان، أما حديث سحر الرسول، وحديث الذبابة، وحديث فقيء موسى لعيون ملك الموت وغيرها فقد أشبع العلماء القول فيها وأكدوا صحتها متنًا وسندًا وحتى عقلًا لمن لا يركنون إلا إلى العقل. ولو أننا عملنا بالقاعدة الجليلة التي وضعها علماء السلف لأرحنا واسرتحنا وذلك قولهم ما معناه: ما وفقك الله إلى علمه وفهمه فاحمد الله عليه، وما لم تفهم فكله إلى عالمه سبحانه، وأتهم فهمك ولا تهم ما اتفقت الأمة على صحته، وإذا حاك شيء في صدرك حول نص من النصوص فلا تجهر به وتجعله رسالتك في الحياة وتذيعه وتشيعه في كل مكان، فتبوء بإثمك وإثم من تشككهم في دينهم حملني على كتابة هذه الكلمة ما دار على صفحات جريدة الأخبار حول الأحاديث النبوية في الصحيحين وغيرهما ودعوة المسئولين من رجال الدين أن تنقيتها مما يشوبها من الدخيل، وكنت أفهم أن يوجه هذا الكلام إلى غير الصحيحين، أما أن يتناولهما أيضًا فهذا ما هالني وأفزعني. واللَّه أسأل أن يوفقنا إلى الفقه في الدين من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم القائل: من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين.