فهرس الكتاب

الصفحة 2675 من 18318

وبهذه المناسبة نذكر قصة رواها البخارى لعائشة مع ابن أختها عبد اللَّه بن الزبير لما فيها من الأدب الجم:

عن عائشة رضي اللَّه عنها أن عبد اللَّه بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: واللَّه لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها.

فقالت: أهو قال ذلك؟ قالوا نعم. قالت: هو للَّه على نذر ألا أكلم ابن الزبير أبدا. فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة. فقالت لا، واللَّه لا أشفع فيه أبدا، ولا أحنث في نذرى. فلما طال ذاك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود. وهما من بنى زهرة. وقال لهما: أنشدكما باللَّه لما أدخلتمانى على عائشة. فإنه لا يحل لها أن تنذر قطيعتى - وهي خالته - فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما، حتى استأذنا على عائشة. فقالا: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. فقالوا كلنا؟ فقالت نعم ادخلوا كلكم. ولا تعلم أن معهما ابن الزبير. فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب. فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكى. وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها. ألا كلمته وقبلت منه. ويقولان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عما قد علمت من الهجر. وأنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتذكير بفضل صلة الرحم والعفو وكظم الغيظ طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها، حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة. كانت تذكر نذرها بعد ذلك حتى تبل دموعها خمارها.

وفي هذه القصة عدة مسائل:

الأولى: أن نذرها من قبيل نذر المعصية وهو لا ينعقد.

الثانية: أنه ما كان ينبغى لأم المؤمنين أن تلجأ إلى الهجر المحرم.

ولكن ابن الزبير أخطأ في حق عائشة خطأ ينتقص من قدرها ونسب إليها ارتكاب ما لا يجوز من التبذير المؤدى لمنعها من التصرف فيما تملك بالإضافة إلى ذلك كونها من أمهات المؤمنين، كما انه خالته أخت أمه فكان تصرفه معها واعتزامه الحجر عليها نوعًا من العقوق. فرأت رضي اللَّه عنها أن تعاقبه بترك مكالمته وعلى هذا يحمل هجر عائشة على نوع مأذون فيه. ومع ذك فقد كفرت عن نذرها.

فتأمل أيها الأخ الكريم أدب الصحابة مع أم المؤمنين، وكيف كان حرصهم على مرضاتها، ثم ما كان منها إلى التسامح والوفاء بنذرها. وكيف بكت لما فاتها، وكيف جاءت بأربعين رقبة حررتها كفارة عن نذرها ثم تأمل حرصها على شرائع الدين وكيف كانت تبكى بكاء شديدًا على نذرها الذى لم تف به، فكفرت عنه بأربعين رقبة.

نسأل اللَّه أن يرزقنا آداب الصحابة وأن نسير على نهج من علمهم وأرشدهم نبينا - صلى الله عليه وسلم -.

محمد على عبد الرحيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت