ونحاول بإذن اللَّه الإجابة على هذه الأسئلة بشيء من التبسيط دون بسط أو توسيع فنقول بعون اللَّه:
أولًا: ما المصلحة التى يصح التشريع بناء عليها؟
ليست كل مصلحة يصح التشريع بناء عليها. إن المصالح التى تصطدم مع النصوص الشرعية - قرآنًا أو سنة - لا يصح بادئ ذى بدء التشريع بناء عليها - لأنها باصطلاح الفقهاء مصالح ملغاة والتشريع عليها كما يقول البعض - تشريع بالتشهى، ومن ثم فهو مرفوض غير معقول، والذين يطلقون القول بالتشريع بناء على المصلحة قد يضاهئون قول نجم الدين الطوخى الذى قال إن المصلحة تتقدم النص والإجماع إذا تعارضت معه - وهو قول متهافت ومتهاتر إذ أنه لم يستطع طوال رسالته أن يقدم مثلًا واحدًا لتعارض النصوص مع مصلحة حقيقية،
والذى عليه العلماء أن المصلحة إن تعارضت مع النص والإجماع غدت مصلحة ملغاة لا يمكن التشريع بناء عليها. أما المصلحة التى نص عليها الشارع فهى مصلحة معتبرة، والنص هذا هو مصدر الحكم ودليله وليس المصلحة.
أما المصلحة التى لم يرد النص باعتبارها ولا ورد نص بإلغائها فهى (المصلحة المرسلة) كما تعارف عليها الأصوليون، أو هى بتعبير الإمام الشافعي، وهو التعبير الذى نرتضيه (المصلحة الشبيهة بالمعتبرة) ذلك أنها وإن لم تكن من المصالح التى ورد النص بها صراحة فإنها من المصالح التى دلت عليها النصوص بمقاصدها ومعانيها وليس بعبارتها ومعناها. وهى بتعبير الإمام الراحل محمد أبو زهرة من (جنس) المصالح المعتبرة، ويؤكد هذا المعنى الشروط التى قال بها الفقهاء.
(للمقال بقية)
د. على محمد جريشة