فالقرآن يخبرنا بما كان من شأن بنى إسرائيل حين من اللَّه عليهم بعد ما تاهوا يضربون في الأرض أربعين سنة {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ - فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [البقرة: 58، 59] .
نحن أمام صورة من الفطر المنحرفة من بني إسرائيل، وإياك أن يقع في وهمك أن الأمر يخص بني إسرائيل وحدهم، فإنما هو يخصهم خبرًا ويخصنا مواعظ وعبرا، وإلا فما حكمة أن يكون قرآنا يحفظه اللَّه؟
هذه الفطر المنحرفة بدلت- كما يقول القرآن- قولًا غير الذى قيل لها، والقول أقل خطرًا من العمل، فما أدراك ما تبديل العمل؟ إنهم أمروا بالدخول على هيئة التواضع لله والسجود، فدخلوا زحفًا على الأستاه، بدلوا في الهيئة إذن، وقيل لهم قولوا حطة، فحرفوا في اللفظة بأن زادوا فيها حرفًا فقالوا حنطة كما تروى الأقوال، وهم على الثابت الصحيح بدلوا القول الذى قيل لهم. فماذا كانت العاقبة؟ {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أرأيتم؟ إنه الوصف من اللَّه لفعلهم بأنه الظلم وأنه الفسق لمجرد التبديل في القول.
إنه كما بينت فإن التبديل في نعم اللَّه وكل ما أراده اللَّه وارتضاه الناس من قضائه وتدبيره وليس ما اختاروا لأنفسهم بمشيئتهم، كل ما أراده سبحانه خير ونعمة، لكن تبديل هذا الخير والنعمة لا يكون إلا من قبل الفطرة المنحرفة، لأنه دائمًا استبدال الذى هو أدنى بالذى هو خير، حتى في حلال المطعم والمشرب، ألم تر إلى القوم من بني إسرائيل يطعمون المن والسلوى فتظمأ منهم الأنفس إلى مذاق الأدنى مطعمًا وفائدة، ورسول اللَّه موسى عليه السلام يقول لهم: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟} [البقرة: 61] .
(يتبع)
حمزة أبو النصر