وهنا نحب أن نركز على هذه الحقيقة. وهى أن الفرق بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد المادى الكبير يتصل بالأساس، فالاقتصاد المادى يعتبر (المعاش) مقصد الإنسان الأساسى ويرى أن الرفاهية غاية الحياة الأصيلة .. أما الاقتصاد الإسلامي فإنه يرى أن المعاش والتمتع بطيبات الحياة مما لا يستغنى عنه الإنسان غير أنه ليس غاية الحياة الأصيلة ومقصدها الأساسى. فمما لا شك فيه أن الإسلام يعارض الرهبانية ويعتبر نشاط الإنسان في المجال الاقتصادى مباحًا وربما يستحسنه بل يستوجبه ويحتل (الكسب الحلال) في نظر الإسلام محل (الفريضة بعد الفريضة) ولكنه رغم ذلك كله لا ينظر إلى الاقتصاد كمشكلة الإنسان الأساسية ولا يخفى على ذى عق أن هناك فرقًا بين أمر مباح ومستحسن أو ضرورى وبين كونه غاية ومركزًا للفكر والعمل. ولذلك فإن القرآن حينما يذم الرهبانية فإنه يأمر بابتغاء فضل اللَّه ويعبر عن التجارة (بفضل اللَّه) وعن المال (بالخير) وعن الغذاء (بالطيبات من الرزق) وعن اللباس (بزينة اللَّه) وعن المسكن (بالسكن) .
والحقيقة أن القرآن يقرر أن وسائل المعاش كلها مراحل يمر بها الإنسان في طريقة إلى غايته، وأن غايته فوق كل ذلك .. إنها عبادة اللَّه سبحانه وتعالى وحده .. وما دامت وسائل المعاش تحل في حياة الإنسان محل قنطرة يتخذها معبرًا إلى مقره الحقيقى وهدفه الأسمى رادف ذلك معنى (فضل اللَّه) و (الخير) و (زينة اللَّه) و (السكن) .
أما إذا فقد الإنسان طريقه، وجذبته زخارف هذه الحياة، ووقع فريسة الأحلام والأوهام، وبكلمة أخرى إذا اتخذ الوسائل غاية ونسى غايته الأصلية، فلابد من أن تتحول هذه الوسائل إلى (متاع الغرور) و (الفتنة) و (العدو) . وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة الأساسية في قوله سبحانه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} .