وهو - أي القرآن - إذن يعمد بكل الوسائل إلى إقامة العدل يتخذ من خشية الله عز وجل لدى الإنسان وازعًا من ضميره يوقظه إذا سهى وينبهه إذا غفل ويهديه إذا ضل ويذكره إذا نسى. فمن أي عطفيه التفت هذا الإنسان وجد ملكين عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله خيرها وشرها فهو كالمتهم المستريب في نفسه يخشى منها ويدقق في حسابها لأنه أيقن أنه لا يمشي خطوة إلا بين مخبرين يحصيان عليه خطرات النفس ويجمعان منه نزوات الفكر ويترجمان عنه معاني النظر، كما يقول ربنا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْه ِمِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ... } .
فإذا قامت هذه الرقابة الملائكية واستقر أمرها في النفس المؤمنة قام منها على النفس شرع نافذ هو قانون الإرادة المميزة تريد الحسنات وتعمل لها وتكره السيئات وتتحرز منها.
وإذا بالفضائل الإنسانية تنهض بإزاء الشهوات الحيوانية فتحكم الرقابة عليها وتشدد الحراسة من حولها وإذا بمعاني الفضيلة والأخلاق الفاضلة هي صاحبة السيطرة في هذه الحياة.
وسياج معاني الفضيلة والأخلاق الطيبة هو العقيدة التي ترشدك أن الله الواحد هو الملك وهو الحكم وهو العدل هو وحده الذي بيده صلاح الأمر وأنه يحكم ما يريد.
وما يريد إلا الخير، فلا عدل إلا في حكمه ولا خير إلا في أمره.
ولهذا جاء القرآن أول ما جاء يخضع حياة الإنسان للعقيدة ثم تتولى العقيدة الصحيحة المؤمنة بالله الواحد. تتولى العلو بالحياة فوق الحاجة والسمو بها فوق الشهوة فيكون الحاكم قويًا ولا يظلم ويكون القوي قادرًا ولا يبطش ويكون الفقير معه ما ويتعفف، ويكون الغني موسرًا ويتصدق، ويكون الشره طامعًا ويمسك، ويكون المتشهي راغبًا ويحجم، رغبة ورهبة من الله الواحد الذي بيده وحده مقاليد الأمور.
إلا أن الإنسانية اليوم تعيش في ليل موحش ومظلم، وقد طال هذا الليل واشتد فيه عواء الذئاب ونباح الكلاب، والخطر كل الخطر من هذه الذئاب المنهومة والكلاب المسعورة التي سعرت طباعها الشهوات والنزوات فمتى يكون النهار.
لا تسأل عن النهار الكوني، ولكن عن النهار الذي يضئ نفس الإنسان ويمد قلبه بالنور وعقله بالحكمة والذي هو الشريعة الإسلامية التي هي قصة الهداية الإنسانية في نور من الكلام.
هي النور إذن وإذا جاء النور تبدد الظلام ... (يتبع) .