والقرآن الكريم لم ينزل لنتخذ منه حلية توضع على صدور الغانيات ولا حجابًا نعلقه في المصانع والمحلات ليجلب البركة ويمنع النقمة، ولا كذلك لنربطه على جسوم أبنائنا فيحميهم من الحسد أو ليشفيهم من المرض ولا ليبيعه قراء القرآن على قبور الموتى وكأنه صكوك الغفران ولا لنقرأه في المآتم رحمة على موتانا ولا لنتلوه في المساجد حربًا على أعدانا ولا لنسمعه في سهراتنا من السادة القرائين غناء ونغمًا وألحانًا.
إنما القرآن هو الدستور الشامل الهادي إلى الفضيلة والداعي إلى الكمال الإنساني الذي يتمثل في العدل، كما قال الله عز وجل: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ .. ).
العدل إذن هو الهدف الأسمى من نزول القرآن الكريم والعدل هو الطريق إلى السلام، والسلام هو أنشودة الدول وأغنية الأمم التي تطرب لها القلوب وتسكن بها النفوس.
ولذلك جاء القرآن الكريم يدعو أهله والمؤمنين إلى القوة ويحض عليها لتحمي ذمار العدل.
وجاء يدعو إلى إخضاع الدنيا وحكم العالم وقيادة الشعوب وريادة الأمم ليس لإهانة الضعيف وتكريم القوي ولا لتحقير الفقير وتعظيم الغني، ولكن ليعلو بالضعيف ويكرم المهين ويحرر العبيد ويعتق الرقيق ويسوي بين الناس إلا بالعافية كما قال عمر بن الخطاب لجبلة بن الأيهم.
وكما يقول أبو بكر في تلك الكلمات التي لا تزال تدوي ليعلم حكام الأرض كيف كان الإسلام دائمًا في نصرة الحق ونشر لواء العدل، حيث قال:"القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي حتى آخذ حقه له".
القرآن إذن جاء ليبث في النفوس زكاتها وفي القلوب الطهر والعفة ليحقق الإنسانية فضائلها تمامًا كما تأتي الشمس بأنوارها فتوقظ الحياة لتحقق أعمالها.
القرآن إذن جاء بالشريعة التي تؤكد سيادة الفضيلة وتغلها بعكس شرائع الأرض التي تحقق سعادة الطبيعة وتحكمها.