وهناك نقطة أخرى يركز عليها الإسلام بالنسبة لمرافق الملكية العامة المتمثلة في المال العام، فمعلوم أن المال من بعد انتقاله من الله إلى الناس، هو مال الجماعة باعتبارهم أفرادًا ذوي حقوق فيه، وعلى هذا فمركز الدولة فيما تحت يدها من المال العام هو مركز: النائب عن الجماعة، لا مركز:"النائب عن الله"، فإن الاستخلاف في ملك الله هو للجماعة باعتبارهم أفرادًا مشتركين في مصالح واحدة روحية واقتصادية، وليست الدولة منسلخة عن تمثيل تلك الجماعة، ومما يتضح به هذا المعنى ما رواه الطبري وابن الأثير من أن أبا ذر- وهو بالشام- قال لمعاوية:"ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟!! فقال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله، والمال ماله؟!! قال أبو ذر:"فلا تقله"، فقال معاوية: سأقول مال المسلمين."
ج 3 ص 325 من تاريخ الطبري، ج 3 ص 55 من تاريخ ابن الأثير.
وهذا- إلى أنه ترجمة واضحة لحقيقة وضع الدولة في هذا المال العام- يقطع السبيل على الحكام الطامعين، فإنهم إن تصرفوا باسم الحق الإلهي:"مال الله"، فليس لأحد أن يحاسبهم فيما يحتجزون لأنفسهم وأقاربهم والملحقين بهم من الأنصار والمحسوبين، وهو مما يعم به الفساد.
وكان عمر رضي اللَّه عنه وهو أمير المؤمنين في الدولة الإسلامية يقرر هذا المعنى بفهمه الدقيق لحقائق الإسلام بقوله:"ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال حق أعطيه أو منعه".
ص 213 من كتاب الأموال لأبي عبيد.
وفي المقال القادم بإذن اللَّه نتحدث عن حدود الملكية الخاصة: (المجازية) ، في نظر الإسلام، والله نعم المعين.
بخيت محمد عبد الرحمن الحصري.