من المسلم به أن الرجل يمكن أن يكون عادلًا في أمور المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمبيت؛ لأن هذه أمور يستطيع أن يتحكم فيها، كذلك هو مطالب شرعًا أن يعدل في هذه الأشياء، ومطالبته بالعدل في هذه المواقف لا تمثل أمرًا مستحيلًا أو صعبًا، أما الذي لا يمكن العدل فيه ما لا يستطيع الإنسان التحكم فيه بحكم طبيعته وتكوينه، وذلك يتمثل في الأمور النفسية من حب وبغض، لأن هذه تتعلق بأمر القلوب، وأمور القلوب لا يستطيع الإنسان التحكم فيها، فلا يمكن أن يكون حب الإنسان لزوجة من زوجاته مساويًا لزوجة أخرى.
ولذلك كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إن هذا قسمي فيما أملك- وهي أمور الدنيا- فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك- من شئون القلب والوجدان.
وعلى هذا فإنه لا يعقل أبدًا أن يكلف اللَّه الرجال بالعدل في موقف لا يملكونه ولا يقدرون عليه، لأن هذه طبيعتهم البشرية التي خلقهم اللَّه عليها، فاللَّه لا يكلف إلا بما يستطاع، إنه القائل: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ، {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، فلا يمكن مطلقًا أن يبيح الله الأمر بالتعدد، ثم يشترط لإباحته هذا الشرط المستحيل.
ومعنى الآية على هذا: هو أن اللَّه يخاطب الرجال فيقول لهم: إنكم لا تستطيعون العدل المطلق في كل شيء بين النساء، مهما كان حرصكم على ذلك، كما أنكم لستم مكلفين بذلك؛ لأنكم مكلفون بالعدل فيما تستطيعونه، فلا يجوز لكم معشر الرجال أن تميلوا عن زوجة من زوجاتكم لا تتمتع بحبكم، فإن هذا يؤدي إلى ضياع حقها في الأمور المادية التي يمكن العدل فيها، ثم تذروها كالمعلقة لا هي بالمتزوجة ولا بالمطلقة.