ومن البواعث على وجوب محبته صلى الله عليه وسلم أنه جاء بدين أساسه توحيد الله، فحطم الوثنية في جميع أشكالها، وأزال الشرك في كافة صوره، وجعل المؤمنين لا تتعلق قلوبهم بموتى، ولا مقامات ولا صالحين، بل تتعلق قلوبهم بالله وحده: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} ، كما أنه أتى من ربه بالهداية، وأنقذ الأمة من العماية، ودعا إلى الفلاح، وأرشد الناس إلى طريق النجاح، وأوضح أنه ما من أمر يقرب إلى اللَّه عز وجل إلا وأمر به، وما من أمر يبعد عن الله عز وجل إلا ونهى عنه.
من أجل ذلك كانت محبته صلى الله عليه وسلم غذاءً للأرواح، وقوتًا للقلوب، وفيها يتنافس المتنافسون، وإليها يعمل العاملون.
وإذا كان الإنسان يحب غيره لأخلاقه الحسنة، وسيرته الحميدة، فكيف بمن بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وأرسل رحمة للعالمين؟
بهذا وجب أن تكون محبتنا له أوفى محبة، بل أفضل من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلنا والناس أجمعين.
ومقتضى هذه المحبة: أن ننهج منهاجه، ونسير على الشرع الذي جاء به من ربه، وأن نطيعه في كل ما أمر، لأن طاعته من طاعة اللَّه، {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} ، {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .
وتتمثل هذه الطاعة أيضًا في اتباع سنته قولًا وفعلًا، والتزام دينه حكمًا وشرعًا وسلوكًا، والانقياد لأمره، والخضوع لحكمه، والتسليم لكل ما جاء به، وتحكيم سنته عند كل خلاف، قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} .
ولكن ما بال الأمة تحتكم إلى الأهواء والقوانين الوضعية، وإلى مشايخ الطرق الصوفية، وبعد ذلك يدعون أنهم لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم محبون، وبسنته عاملون، واللَّه يعلم أنهم بهذه المحبة الكاذبة مغرورون.