وللإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نعلم أن علماء الدين بعد عهود الخلافة الراشدة كانوا أحد رجلين: عالم يأخذ بالتقية ويجامل السلطان، وعالم مؤمن شجاع يجابه الباطل ويتعقبه أينما كان، إلا أن صوت الحق كثيرًا ما يختفي وسط ضوضاء الباطل وغوغاء العامة، ولكنه إلى أجل، والعلماء البواسل الذين فرضوا أنفسهم على التاريخ فرضًا، قليل ما هم، وهؤلاء هم الذين لم يؤثروا السلامة على موقف الحق، والدنيا أهون من أن يقيموا لها وزنًا، أو يحسبوا لزخارفها حسابًا، ليس هذا- فحسب- بل إنهم كانوا متهيئين دائمًا لأن يتحملوا الأذى في سبيل الله والحق، وأن يرحبوا بالابتلاء والامتحان مهما بلغت قسوتهما، والذين طالعوا سيرة هؤلاء عرفوا كيف كان الإمام أحمد بن حنبل، وبعض تلامذته يتحدون دولة لم تكن تغيب الشمس عن أملاكها، أعني بها الدولة العباسية، وكيف كان أمثال العز بن عبد السلام وابن تيمية يجابهون سلطات مصر والشام، ثم كيف اضطر أمثال الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى حمل السيف لتقويض أركان الباطل، بعد أن رفض هذا الباطل أن يستجيب للحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.
وبعد:
فإن ما فعله الأزهر من قبل، وما يزال يفعله حتى اليوم، من إعلانه عن الاحتفال بالمولد النبوي والتنفيذ، هو الفتنة بعينها فبدلًا من أن يعلن الأزهر بأعلى صوته: إن هذا منكر لا يرضي الله ولا يرضى الإسلام عنه، يأتي هو هذا المنكر ويتباهى به، وإذا كان للطرق الصوفية أن تعض بنواجذها على هذا المنكر، فهذا شأنها؛ لأن البدع والمنكرات مقومات حياتها، ولا يمكن حتى للعامة أن يحتجوا بالطرق الصوفية علينا، لكن الأزهر حين يقر منكرًا ويأتيه في تحد للإسلام، فهذه هي الفتنة ذاتها.