فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 18318

اتفق أئمة المسلمين على أن العمل لا بد منه لدخول الجنة، وأنه سبب شرعي مطلوب لا يستثنى منه بشر، ولا يدخل بدونه أحد، وقد تظاهرت الدلائل على ذلك من الكتاب والسنة جميعًا .. قال تعالى: {لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون} ، وقال: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} ، وقال: {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة ... } . وقال في المستقيمين: {أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون} إلخ.

ولكن المطلوب من العابدين لله أن يتواضعوا له وأن يكبروا حقه وأن يخافوا لقاءه مهما قدموا من صالحات، قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات} .

ويؤتون ما آتوا، ليس معناها فعل المعاصي والحذر من عقباها! بل معناها فعل الطاعات والحذر من عدم قبولها؛ لأنها دون ما يجب لله أو دون ما يحسن المرء.

وبهذا المعنى جاء الحديث الشريف فهو نهي عن الاغترار بالعمل وليس نفيًا لقيمة العمل، إنه نهي عن الاطمئنان إلى العمل والاستكبار به والجراءة على الله بعد إتمامه.

وليس نهيًا عن التزود بالصالحات والاستكثار منها.

وغريب أن يفهم عوام المسلمين من الحديث الشريف أن العمل لا لزوم له. ففيم إذن نزل القرآن؟ ولماذا جاهد نبيه ربع قرن لإبلاغه وإقامة الأمة عليه.

الحديث نفي لأن يكون العمل ثمنًا حقيقيًا للجنة. وليس نفيًا لأن يكون سببًا حقيقيًا لدخولها. نعم. فإذا الخلود الدائم في نعيم مقيم ليس الثمن المكافئ لعبادة الله سنين عددًا ذاك لو خلت العبادة من شوائب الرفض. فكيف وأكثرنا لو فحص عمله رد في وجهه ثم كيف لو حوسب الإنسان على النعم المغدقة عليها في الدنيا. وقيل له: عملك نظير بعض هذه النعم!!

الحديث ليس مناقضًا للآيات، ولا للأحاديث الأخرى. وإنما هو كما قلنا كسر للغرور البشري وتذكير برحمة الله وتجاوزه وصفحه.

وعلى ضوء هذا التفسير تعرف أن ما ذكره ابن عجيبة وغيره عما يسمى حقيقة وشريعة لا أصل له في الإسلام. فدين الله واحد لجميع خلقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت