فهرس الكتاب

الصفحة 3143 من 18318

ومتى فات الإنسان شيء من ذلك، أو استحوذ عليه الكسل- الذي هو أصل الخيبة والفشل- يخشى أن يكون كالمنبت: لا دينا أقام، ولا دنيا أصاب.

كما حث النبي صلى اللَّه عليه وسلم على الرضا بقضاء الله وقدره، فإذا نزل بالإنسان ما يحزنه أو ينال من سروره، بفوات منفعة أو إصابته بمكروه، فلا ينسب ذلك لتركه بعض الأسباب التي هي مظنة النجاح لو فعلها، بل يجب أن يرد ذلك إلى قضاء الله وقدره، ليزداد بالله إيمانًا، فيسكن قلبه، وتستريح نفسه.

أما إذا قال: لو كنت فعلت كذا وكذا ما وقعت فيما وقعت فيه، وما أصابني شيء أكرهه، فإن هذا الكلام لا يجدي ولا ينفع، بل يفتح عمل الشيطان، بنقص الإيمان بقدر اللَّه، والاعتراض على قضائه سبحانه وتعالى.

وفي هذا يقول ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في زاد المعاد: (قوله لو كنت فعلت كذا وكذا، لم يفتني ما فاتني، كلام لا يجدي عليه فائدة ألبتة، فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره، وغير مستقيل من عثرته بكلمة"لو". وفي ضمن"لو"ادعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه لكان غير ما قضاه الله وقدره، فإذا قال: لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع فهو محال؛ إذ خلاف المقدر المقضي محال فقد تضمن كلامه كذبًا ومحالًا، وإن سلم من التكذيب بالقدر، لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا لدفعت ما قدر علي) ، والخلاصة أن كراهة استعمال"لو"في التلهف والتحسر على أمور الدنيا، إما رغبة فيها وإما فرارًا منها، لما في ذلك من عدم التوكل.

واعمل أن استعمال"لو"يختلف باختلاف ما قصد بها، فإن قيلت في مقام الندم، وعدم إدراك ما فات، فإنها تفتح عمل الشيطان، أما إذا استعملت"لو"في تمني الخير، كأن تقول لولدك: لو استذكرت دروسك لنجحت. أو تقول عن نفسك: لو أعطاني الله مالًا لفعلت كذا وتصدقت بكذا. فهذا لا بأس به، لأن"لو"هنا محمودة المقال، ولا إثم على قائلها؛ لأن ذلك من باب الحرص على الخير، وتمني الأمور النافعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت