وقد كان نزول الإسلام في عصر كانت البشرية فيه تمر في فترة يسميها مؤخر الغرب - لا مؤرخو الشرق - عصور الظلام. فكانت جميع بلاد العلام لا يحكمها إلا الجهل والفوضى والتنازع والقوانين التي نسميها الآن قاون الغاب، وحكم القوي على الضعيف، أما جميع العلوم التي توصلت إليها البشرية من يوم أن بدأت تتعلم، وجميع الدراسات التي أنجزتها الأجيال تلو الأجيال، أصبحت كل هذه نسيًا منسيًا، كما أصبحت جميع الأديان السماوية التي سبقت الإسلام مبادئ يهزأ منها الناس، وأصبحت الوثنية والشرك والإلحاد وعبادة الشمس والقمر والنار والحجارة والأشخاص والحيوان هي الأديان المنتشرة انتشارًا يفوق انتشار الأديان السماوية المحرفة المموهة التي كان يتجنبها الناس.
نزل الإسلام في مثل هذا العالم الظالم الجاهل المظلم الملحد الكافر الصابئ، وكان لنزوله وقعًا شديدًا لا في مكان نزوله فقط، بل في جميع أنحاء العالم. ولا في النواحي الدينية والاجتماعية فقط، بل في جميع نواحي الحياة الثقافية والعلمية، ويعترف مؤرخو الغرب - لا مؤرخو الإسلام - أن الإسلام بعث العلوم من جديد، وهز الناس هزًا عنيفًا، فصحوا من نومهم الطويل، وأيقظ العقول من غفلتها فسارعت إلى العلوم الدنيوية مسارعتها للعلوم الدينية. وكان المسلمون يعتبرون العلوم الطبيعية جزءًا متممًا لدينهم.
لأن الإسلام كان يحثهم على العلم والتعلم. وكان للمسلمين - باعتراف مؤرخي الغرب - لا مؤرخي الإسلام - الفضل الكبير في المحافظة على تراث الإنسانية من العلوم السابقة لعصرهم. فدرسوها واستوعبوها وترجموها ونقلوها وسجلوها. كما كان لهم الفضل الكبير في تأسيس علوم حديثة كثيرة. ولا زلنا إلى الآن نرى تأثير المسلمين على هذه العلوم من نظريات توصلوا إليها وفي ألفاظ علمية عربية انتشرت في جميع لغات العالم لا في لغة المسلمين فقط.
لن ينقذ المسلمين من حيرتهم بين القديم والجديد إلا بعث مثل البعث الذي أنقذ البشرية في العصور المظلمة من أربعة عشر قرنًا. لن ينقذهم إلا رجوعهم عن موقفهم الحالي في نبذ القديم - والدين منه - واعتناق الجديد بدون تمييز ولا دراسة.
ادرسوا - إن كنتم علماء حقًا - كل قديم وكل جديد. واتبعوا الحق منهما. والإسلام كله حق. والعلم الحديث الثابت فيه حق كثير. وبذلك تتحقق لكم سعادة الدارين، طمأنينة في الدنيا، والسعادة الأبدية في الآخرة.