الثالثة: الصلاة ذاتها: فإن الأمر بها مختلف، فتارة يكون أمرا بأدائها، وتارة يكون أمر بالمحافظة عليها وعلى وقتها ومحلها. فمن صلى فحسب لا يكون مصليا حتى يقوم بالصلاة على وجهها. ونحن نعرف أناسا يصلون في بيوتهم ولا يذهبون إلى المسجد إلا يوم الجمعة، فهؤلاء مضيعون محل الصلاة. ومنهم من يصلون الصلاة في غير وقتها، فيصلون الظهر في وقت العصر، ويصلون العصر في وقت المغرب، وهكذا، فهم مضيعون للوقت، ومنهم من يضيعون الصلاة ذاتها، فلا يحافظون على قيامها وركوعها وسجودها ولا يخشعون فيها، فهؤلاء مضيعون لذات الصلاة. فمن أمر غيره بالصلاة فلا يغفل عن هذه الجوانب. فرب مصل في أول الوقت وهو مضيع للخشوع، ورب خاشع في الصلاة وهو مضيع للوقت. والصلاة إذا أديت على الوجه المشروع كان لمؤديها من الشعور بحلاوتها ولذتها ما يزيده حبا فيها وإكثارا منها. فإنها لقاء مع اللَّه ومناجاة له وسماع لكلامه وقرب منه وصعود إلى الملأ الأعلى تمثلًا وتخيلا.
الرابعة: ولما كان أمر الأهل بالصلاة كبيرا- وغير الأهل كذلك- إلا على الخاشعين كما قال سبحانه، فقد ذكرت الآية الصبر وزادت فيه حرفا في بناء الكلمة. وزيادة الحرف في بناء الكلمة يدل على زيادة المعنى. فكأن الصبر على الأمر بالصلاة ينبغي أن يكون صبرا زائدا على غيره. والآمر بالصلاة ينوع: تارة يرهب، وتارة يرغب، بحسب الحال، ويكون قصده تحقيق هذا الأمر وهو إقامة الصلاة. ولا بأس من الترغيب في الطاعة رغبة في مرضاة اللَّه وجزائه ورغبة أيضا في شيء من أشياء الدنيا مما يرغب الناس فيه. فقد ورد أن سلفنا كانوا يصنعون العرائس من العهن يلهين بها الصبية يلعبون بها ليتصبروا عن الطعام ويتعودوا الصيام.