فهرس الكتاب

الصفحة 3350 من 18318

وللآية معنى ثان: وهو أن بعض الناس المقصرين في الصلاة يحسبون أنهم لو قدموا في طاعة أخرى جهدهم فإن هذا يغني عن الصلاة، كمن يكون عنده مال كثير فيذهب يبني مساجد ويوقف أوقافا للفقراء والمساكين، وهو لا يصلي، ويظن أن هذا يعوضه عن الصلاة. فكأن الآية تقول له: إن اللَّه لا يسأل الناس أرزاقا أي أموالا تقدم باسمه، فإنه ليس فقيرا بل هو غني وهو الذي يعطي، وإنما يطلب من عباده طاعة وصلة به وخشوعا له وذلا. وهذا كله قائم في الصلاة. ورب بان لمسجد ولا يصلي فيه خير منه رجل فقير يصلي فيه. وهو مفهوم جاهلي يقول به ويعمل أهل الجهل. وقد أورد القرآن هذا المفهوم منسوبا إلى كفار مكة ورد عليهم. فقد قالوا إن محمدا يقيم في يثرب لا يخدم بيت اللَّه ولا يسقي الحجيج ونحن نعمر البيت ونسقي الحجاج فنحن خير منه. فقال اللَّه لهم: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .

وبعض الناس قد لبس عليهم الشيطان فصرفهم عن الصلاة ونشطهم في أعمال أخرى ظاهرها الطاعة، ولكن الطاعة أصل ومعتقد، من كان صادقا في طاعته فلا يختار شيئا يعمله ويترك آخر.

السادسة: لما كانت طريقة القرآن الكريم أنه يذكر الشيء ويحسنه أو يقبحه، يذكر عاقبته ومصيره، فقد قال هنا {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} كأنه يذكر من يصلون أن عاقبة صلتهم باللَّه وطاعتهم له في إقامة الصلاة والأمر بها خير، وكأن في الكلام حذف تقديره والعاقبة الحسنى للتقوى، لأن كل شيء له عاقبة إما حسنى وإما سوءى، وذكرت الآية هنا العاقبة للتقوى ولم تصف هذه العاقبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت