هذه الآيات الكريمة في قصة البقرة التي سميت السورة باسمها، وهي تذكر بني إسرائيل بموقف من مواقف العناد التي وقفها آباؤهم من قبل، وكانت سببًا في التشديد عليهم:
تقع فيما بينهم حادثة قتل فلا يعرف القاتل، ويختلفون على أنفسهم فيه، كل منهم يدرأ (1) عن نفسه تهمة القتل أو يتهم بها غيره: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} (2) فيلتجئون إلى موسى عليه السلام ويطالبونه بمعرفة القاتل، فيأمرهم بإرشاد من ربه أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل بجزء منها، فيحيا ويخبر بقاتله، ولو أنهم عمدوا إلى أية بقرة فذبحوها لكفتهم- كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم (3) ، ولكنهم تلكئوا في تنفيذ الأمر، وأكثروا من السؤال وشددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم جزاء تنطعهم وعنادهم، سألوا عن البقرة: في سنها، في لونها، في شأنها كله، حتى ضيقوا على أنفسهم، ولم يعثروا عليها إلا بعد شدة، {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} (4) ، ثم ضربوا القتيل بجزء منها، فأحياه الله، وأنبأهم بالمجرم الجاني، {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
ومع هذه الآية الواضحة القوية تظل قلوبهم قاسية، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} .
وقد رأينا- في المقال السابق- الوصفين الأولين من أوصاف البقرة: من حيث سنها ولونها (5) .
لم يكتف بنو إسرائيل بمعرفة سن البقرة، ولونها، وإنما سألوا سؤالًا ثالثًا، فأجابهم عن عملها: