والنهي عن الطمع في إيمانهم لا يقتضي عدم دعوتهم إلى الإيمان فالمؤمنون مأمورون بدعوتهم إليه، لإقامة الحجة عليهم في الدنيا عند إجراء أحكام الكفر عليهم، ولقطع عذرهم في الآخرة (ونظير ذلك ما قدمته عن تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} الآية 6 من سورة البقرة، فارجع إلى ص 5 وص 6 من العدد 5 المجلد الخامس من المجلة، عدد شهر جمادى الأولى 1397هـ) . وكذلك قد تصادف الدعوة إلى الإسلام نفوسًا منصفة تستجيب لدعوة الحق، وتهتدي إلى الصراط المستقيم، وهذا هو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم- هو وأصحابه من بعده معهم، وإن كان اليهود- في جملتهم- قد صموا آذانهم عن الحق بعد ما عرفوه.
4 -في قوله سبحانه: {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} زيادة تشنيع عليهم، إذ أنهم حرفوا كلام اللَّه بعد فهمهم له عن تعمد وسوء نية، وارتكبوا هذا الفعل الشنيع، رغم علمهم بما يستحقه مرتكبه من عقوبة دنيوية وأخروية {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} (آية 23 من سورة الجاثية) . ففي هذين القيدين: {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} من النعي عليهم ما لا مزيد عليه، حيث أبطل بهما عذر الجهل والنسيان، وسجل عليهم تعمد الكفر والفسوق والعصيان.
عبرتنا من هذه الآية:
يكشف الحديث في هذه الآية وما بعدها دسائس اليهود وكيدهم وسط الصف المسلم، لتدرك الجماعة المسلمة طريقة اليهود في العمل والكيد والادعاء، على ضوء ما وقع في تاريخهم القديم.