فهرس الكتاب

الصفحة 3476 من 18318

الخامسة: طريقة القرآن الكريم في الإخبار عن الأشياء. إذا أخبر عن عذاب قوم ذكر السبب الذي أوجبه، وإذا أخبر عن مرض نفسي ذكر سببه، وهذا مما يشهد له بالحكمة فإنه قرآن حكيم، فذكر العلة والسبب مما يجعل الناس تتحاشى الأسباب فتنجو من العاقبة السيئة. وهنا يذكر اللَّه العلة التي اعتل بها الناس وهي الغفلة والإعراض وعلامتها والدليل عليها قرب الحساب وهم على حالهم، يذكر سببها وهو أنهم {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أثبت لهم استماعا ولكن ليس خالصا للذكر بل يستمعون معه إلى اللعب، أو أن حالهم وهم يستمعون حال اللاعب.

فالصواب أن يستمع الناس إلى القرآن وهم في حال جد واهتمام، وعلى قدر جدهم واهتمامهم يكون النفع. أو يستمعون إلى القرآن من باب الهداية إلى أصل كل شيء. ولعل قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، وقوله: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} يشير إلى المعنى الذي ذكرته. وسيرة الصحابة ووصف سماعهم للقرآن يدل على أن لسماع القرآن طريقة إذا اتبعت أفادت وإذا لم تتبع فلا فائدة مما يقرأ.

ولعلك بعد هذا يمكنك أن تنظر في أحوال الناس الآن، فإذا رأيت من نسى الحساب وقد قرب فاعلم أنه غافل، وإذا ذكرته ولم يتذكر فاعلم أنه معرض أيضا. وسبب غفلته وإعراضه أنه لا يستمع إلى القرآن الاستماع الصحيح، وإنما يستمع إليه وهو لاه قلبه، معرض فؤاده، بينه وبين القرآن حجاب {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا} عافانا اللَّه بمنه وكرمه.

عبد الحافظ فرغلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت