ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصيام جنة، أي وقاية يقي العبد الذنوب في الدنيا، ويتمرن به على الخير، كما أنه وقاية من عذاب اللَّه. وهذا من أعظم فوائد الصوم، فإنه يمنع من المحرمات، ويحث على كثير من الطاعات. فإن اعتدى عليه بالسباب وما ينبو عنه القول، فليقل: إني صائم. وبذلك يتعود الصائم دفع السيئة بالحسنة، وحفظ لسانه من الكلام البذئ.
كما أن الصوم يصون الجوارح من الوقوع في الإثم، فلو امتطى متن الكذب وهو صائم، أو متع البصر والسمع بما حرم اللَّه، فقد حبط عمله. ولذا يقول صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس له حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) .
أما خلوف فم الصائم، وهو الأثر الذي يكون في الفم من رائحة الجوع عند خلو المعدة من الطعام فهو وإن كان كريهًا على النفوس، فإنه أطيب عند اللَّه من ريح المسك، لأن تلك الرائحة من أثر العبادة والتقرب إلى اللَّه تعالى. وكل ما يترتب من المشقات عن العبادات فهو محبوب عند اللَّه تعالى.
ويجدر بنا أن نقف وقفة أمام ما يصنعه المسلمون في رمضان، فكثير منهم- وخاصة سكان المدن- لا يحفلون بالشهر الكريم، فترى المطاعم والمقاهي مفتوحة نهارًا، تطعم المفطرين جهارا، محاربين بذلك ربًا جبارًا قهارا، وإذا عدنا بالذاكرة إلى ما قبل ثلاثين عاما لوضح الفرق بين الحال الآن وحالهم في ذلك الزمن القريب. كان الحياء يحمل الناس على احترام الشهر، فلا مطعم يطعم، ولا مقهى يسقي، وما كنا نرى من يأكلون ويشربون في وضح النهار من غير خجل ولا حياء. وللأسف أصبحنا في زمن هان على الناس أمر دينهم، فحطموا الإسلام عروة عروة، فلا صلاة يقيمون، ولا صياما يؤدون، وكل همهم في رمضان أن يتناولوا ما لذ وطاب من الطعام والشراب. ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط اللَّه عليهم.