يبدأ كاتب هذه المقالة بقوله: (نحن لا نمنع أحدًا ما أن يتمذهب بمذهب يتواءم مع تكوينه النفسي وحتى مع مصلحته الشخصية ... ) وهذه العبارة منه تحمل شعار التصوف، وهو (القول على اللَّه بغير علم) لكل من هب ودب، وأن يصير المسلمون شيعًا وأحزابا، في النحل والآراء، وما درى ذلك الكاتب أن لا مذهبية في الإسلام، وأن الكل مردودون إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله.
وقد أجمع الأئمة الأربعة وغيرهم الذين ينسبون المذاهب إليهم افتئاتا وتزويرا عليهم- على (أن الحديث إذا صح فخذوا به واضربوا بمذهبي عرض الحائط، أو فهو مذهبي) وأجمعوا أيضا على: (لا يحل لامرئ أن يأخذ بمقالتنا إلا بعد أن يعرف من أين أخذناها) . فدعاة التمذهب، والراضون عنه، هم النافخون في أبواق الفرقة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لنا: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب اللَّه وسنة رسوله) ، أي أنه لا يجوز لفرد ولا لطائفة أن ينتمي إلى رأي أو مذهب غير كتاب الله وسنة رسوله، وموضوع نفي التمذهب في الإسلام موضوع أصيل وواسع وله أسسه وأسانيده التي لا تند عن الراسخين في العلم. فلا يجوز لمن يتصدى للكتابة في الدين أن يجهل ذلك أو ينادي بالتمذهب، أو التصريح به. فالمسلمون جميعًا على هدى الكتاب والسنة نصًا وحرفا عربيا، ومعنى مأخوذا من ذلك النص كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} . فإذن لا تزيد، ولا تمذهب، ولا تأويل يخرج عن النص العربي أو عليه، أو على روح الإسلام العامة التي هي فطرة في نفوس الناس. وما يحتج به كاتب المقال كعادته، بأن التصوف نشأ في البيئة الإسلامية كما نشأ الفقه، وكما نشأ علم الكلام .. الخ، فإن القياس هنا مع الفارق، وليس موقف الفقه وعلم الكلام من الإسلام كموقف التصوف.