فالفقه هو الأحكام المستنبطة من الكتاب والسنة، وهو علم يقوم على اجتهاد أهل كل عصر، وأخذهم أحكاما لمشكلاتهم، وحوادثهم، فأهل كل زمن مطالبون بذلك الاجتهاد الذي ثمرته علم الفقه والذي هو الجانب العلمي أو التطبيق للشريعة الإسلامية.
وعلم الكلام نشأ في ظروف خاصة، وكان غرضه الدفاع عن الإسلام ضد المهاجمين من أرباب النحل الأخرى. وقد انقضى علم الكلام، بانقضاء الهجمات التي وجهت قديمًا إلى الإسلام، وتوقف لأن الإسلام ليس له به حاجة، ولا يحتاج إليه في تعليم الطفل أو الطالب العقيدة أو علم التوحيد.
إلى جانب ذلك فإن هذين العلمين، لم ينشآ للهيمنة على الجموع الجاهلة من العوام، وبسط السيطرة عليهم، وتعليمهم دينًا غير دين اللَّه وغير ما شرع اللَّه وبلغ رسوله، ولا لإيجاد طبقة مدعاة تقود هؤلاء العوام باسم الأولياء، أو الأقطاب، أو الأوتاد، أو مشايخ الطرق.
فأتباع الصوفية جهلاء، ويشترط فيهم أن يكونوا جهلاء، وأن العلم وحده عند شيخ الطريقة، وهو سر من الأسرار التي اختصه اللَّه بها دون هؤلاء العوام، ولهذا استحق أن يكون سيدًا لهم، بل إلهًا لا تجوز مخالفته، ولا الرد عليه، وأن الشخص منهم يترك نفسه بين يديه، كالميت بين يدي غاسله.
أما المنتمون إلى الفقه فكلهم علماء، وفي درجة واحدة من العلم لا ينتمي إلى الفقهاء إلا عالم، وكذلك المنتمون إلى علم الكلام. ولا يدعي أحد منهم هيمنة، ولا رئاسة، ولا اسبتدادًا بأسرار علمية دون زملائه. وأقول (زملائه) لأنهم لا يعرفون لجماعتهم سيدا، ولا مقدما فيهم، إلا بتقواه وبعلمه الذي يفيض به على من حوله، ولا يكتمه، ويقدمه بكل تواضع وتفويض إلى اللَّه، وهو فيه بين الصواب والخطأ إلى أن يجمع عليه أهل هذا الاختصاص، لا يدعي فيه سرية، ولا احتكارا فأين الصوفية، وأين التصوف من ذلك، ومن هم النافخون في بوق الفرقة؟ ..