وبعد الرمي قطع التلبية ونحر هديه وكان مكونا من ثلاث وستين بدنة بعدد سنوات عمره، وأمر أصحابه أن يضعوا قطعة لحم من جميع ما نحر في قدر، وشرب من مرق جميعها وأكل من لحمها. وبعد الذبح حلق رأسه الشريف، ودعا للمحلقين ثلاثا، فقال أحد الصحابة: والمقصرين يا رسول اللَّه. فقال والمقصرين. وفي هذا دليل على أن الحلق أفضل من التقصير. ثم توجه إلى مكة وطاف طواف الإفاضة بغير إحرام، وعاد إلى منى للمبيت فيها وفي اليوم الحادي عشر من ذي الحجة رمى الجمرات الثلاث كلًا منها بسبع حصيات أخذها من منزله بمنى ولم يجمعها من مزدلفة، مبتدئا بالجمرة الصغرى ومنتهيا بالكبرى ولم يغسلها. وبات في منى ثلاث ليال يؤدي الصلاة في جماعة قصرا، ويقول: أيام منى أكل وشرب.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد اختار التأخير الذي أشارت إليه الآية الكريمة: {وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} وتمت أيام منى على أحسن حال، ثم طاف بالبيت طواف الوداع صباح يوم الخامس عشر من ذي الحجة، وعاد إلى المدينة.
وفي ذلك الوقت دخل على إحدى نسائه فوجدها قد حاضت، فقال: أحابستنا هي؟ فقالوا يا رسول اللَّه إنها أفاضت"طافت طواف الإفاضة"فأسقط عنها طواف الوداع لتنضم إلى الركب. وفي هذا دليل على أن المرأة تحبس أهلها عن السفر حتى تطوف طواف الإفاضة.
هذه حجة النبي صلى الله عليه وسلم باختصار. فاللهم اجعلنا ممن تأسى به واستمسك بشريعته ليحظى بالوعد الحق: (من تمسك بسنتي وجبت له شفاعتي) واللَّه ولي التوفيق.
محمد على عبد الرحيم