ومن أجل ذلك حارب الكهان والأمراء وشيوخ القبائل وأصحاب الجاه والسلطان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حربًا لا هوادة فيها ولا لين، ليصدوا الناس عن الإيمان بهذه الكلمة الطيبة كلمة التوحيد حتى يبقى لهم سلطانهم وتدوم لهم هيبتهم في النفوس وهيمنتهم على الناس.
لقد كانت هناك نواح كثيرة تحتاج إلى إصلاح غير ناحية العقيدة التي آمنوا ببعضها وكفروا بالبعض الآخر، حيث آمنوا بربوبية اللَّه وحده وأشركوا معه في الألوهية: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} 18: يونس.
وهذه النواحي الأخرى الكثيرة ربما كان البدء بإصلاحها أسهل بكثير من إصلاح العقيدة، وكان يمكن أن يجمعهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على دعوات إصلاحية عديدة، فقد كانت جزيرة العرب محتلة من الفرس والروم في أطرافها الخصبة، وكانت توجد حفنة قليلة من الأغنياء يستأثرون بالمال ويستذلون الفقراء، وطائفة أخرى من الأقوياء بيدهم السلطان يستعبدون الضعفاء، وكانت هناك عادات سيئة منتشرة بينهم كشرب الخمر ولعب الميسر ووأد البنات، وكانت وحدتهم ممزقة بالحروب والعداوات التي تثيرها بينهم أتفه الأسباب.
ولكن منشأ هذه الانحرافات كلها هو الانحراف الأساس في العقيدة بالشرك باللَّه وعدم إسلام الوجه والقلب وإسلام الحكم والتشريع وإسلام النظام والحياة لله، فإذا زال هذا الانحراف الأساس زالت تبعًا له سائر الانحرافات.
فلا عجب أن تكون البداية في الدعوة بلا إله إلا اللَّه، وهي ولا شك بداية ضرورية وإن كانت صعبة لا تقبلها النفوس التي ضلت بسهولة ولا تسلم بها القلوب التي زلت بدون معاناة.