ولكنك بعد ذلك حشدت مقالك بعبارات توكيد الخلاف وإرسائه مثل قولك: (فإن الناس يعبدون اللَّه بما صح عندهم، لا بما صح عند غيرهم) ، فالعبادة هنا إذن بالهوى، لا بما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقرآن اللَّه!!!.
وإذا عبد الله بما صح عند كل إنسان، فقد تعددت الاتجاهات، وزاد الخلاف وكثر المختلفون.
ومثل قولك: (على اختلاف اتجاهاتهم) ، وإذا كان هناك اختلاف في الاتجاهات فكيف يجتمع ذلك مع الاجتماع على كتاب اللَّه وسنة رسوله، وهما الوجهة الواحدة كما هو الأساس؟
ثم إنك قد بررت هذا الاختلاف بالهوى لا بالحق والاتجاه إليه فقلت: ( ... وبخاصة عندما يكون اختيار المذهب أثرًا للتوافق الطبعي بين المذهب والتكوين الذاتي للإنسان، كما يفضل الإنسان طعاما، أو شرابا، أو يتأذى من طعام، أو شراب، فللحالة النفسية دخل كبير جدًا، في اختيار المذهب والرأي) .
فمتى كان للحالة النفسية اعتبار عند اللَّه في اختيار المذهب والرأي؟. ألم تقرأ قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} ؟. وألم تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت الجحيم بالشهوات) ؟.
وهل كان الأئمة السابقون كأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم يختارون آراءهم بناء على الحالة النفسية؟ أم بناء على الإيمان والنظر والترجيح بالأدلة؟.
إذا كان هذا كله تبريرا للتصوف ولوجوده، فإنه وجود معدوم ووجود مفقود، وإنه لا يقنع، ولن يقنع النفس الإنسانية في اتجاهها إلى اللَّه وعبادتها إياه.